اخر عشرة مواضيع :         الصينيون يأكلون كل أنواع اللحوم (اخر مشاركة : نـــــــــوووفا - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          وسائل اعلام: جلد امرأة وحرقها حتى الموت! (اخر مشاركة : نـــــــــوووفا - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التطبير.. مشاهد عنيفة في الاعلام الغربي (اخر مشاركة : نـــــــــوووفا - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          اذا كنتي جميلة لاتدخلي...واذادخلتي لاتحزني (اخر مشاركة : مروى المحبة - عددالردود : 14 - عددالزوار : 76 )           »          عدنا ... وش يقربــ لكـ هالإسم مع هس هس (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 1074 - عددالزوار : 2979 )           »          {{تخيلوا نحنا في سقف واحد}} (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 25 - عددالزوار : 141 )           »          هذي لعبه كل واحد يسأل اللي بعده سؤال (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 1143 - عددالزوار : 7020 )           »          اوصل للرقم 5واسكب سطل ماء بارد بوجه العضو الي تبي (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 1218 - عددالزوار : 6124 )           »          لعبه اسمها .... ( فيها شي ) نبي تفاعل . (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 262 - عددالزوار : 1044 )           »          نـــــــداء عــــــــاجل !! (اخر مشاركة : فاقده_حب - عددالردود : 2 - عددالزوار : 15 )           »         

.

.

إعلانات

   

.

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع تقييم الموضوع طرق مشاهدة الموضوع

.

ركن القصص لعشاق القصص،،، مع نوفااا ،،،، متجدد

قديم 14-03-2008, 05:28 PM   رقم المشاركة : 1 (permalink)
نـــــــــوووفا
مراقبة الأقسام الإجتماعية
 
الصورة الرمزية نـــــــــوووفا

بيانات العضو

نـــــــــوووفا غير متواجد حالياً

نـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيط


وسام التميز: This is a default medal - السبب: حصولك على العضو المميز لشهر أكتوبروسام الكنز الشيف: وسام للفائزين بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه - السبب: الفوز  بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه
ركن القصص لعشاق القصص،،، مع نوفااا ،،،، متجدد


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




كيفكم ياحلوين ،،،،،،،



بما أنه مافي قسم خاص للقصص ،،، حبيت يكون لناا ركن نجمع أنا وأنتم جميع أنواع القصص بإختلاف مجالاتها وأسلوب السرد فيهاا ،،،،


راح أبدأ أنا بأول قصة ،،،،،







أنتظروووووووووووووووووووووووووووووني







التوقيع :
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

.

إبراهيم قصتي بلا نهاية

قديم 14-03-2008, 05:37 PM   رقم المشاركة : 2 (permalink)
نـــــــــوووفا
مراقبة الأقسام الإجتماعية
 
الصورة الرمزية نـــــــــوووفا

بيانات العضو

نـــــــــوووفا غير متواجد حالياً

نـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيط


وسام التميز: This is a default medal - السبب: حصولك على العضو المميز لشهر أكتوبروسام الكنز الشيف: وسام للفائزين بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه - السبب: الفوز  بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه
إبراهيم قصتي بلا نهاية


إبراهيم قصتي بلا نهاية،،،،




بينما هو في حضن أمه الدافئ.. يبتعد قليلاً ثم يعود إليه كلما أحس ببرودة أطرافه.. عمره أربع سنوات.. بهجة العائلة وعبيرها.. هو نحلة في بستان.. تزيد من جماله تلك الضحكات عندما يطلقها كتغريد العصافير..

أم إبراهيم منشغلة في أعمال المنزل.. إبراهيم يقفز كالأرنب.. وبينما كانت الأم تعد الغداء، انهمر المطر.. خرج إبراهيم يرقب القطرات كيف تسقط على أشجار الحديقة.. خطوة.. ثم خطوة.. يصل إلى الباب الرئيس.. وعند الباب يجد وردة جميلة منفردة.. يقطفها ليعطيها أمه.. وقبل أن يعود إلى الخلف إذ بسيارة تقف.. سائقها شاب.. بجواره امرأة.. تنادي إبراهيم.. بيدها حلوى.. يتناول الحلوى تمسك بيده.. ترفعه لتقبله..تحمله بين أحضانها.. يدير الشاب مقود السيارة ليطلقها كالبرق.. يصرخ إبراهيم أريد أمي.. أمي..

حل الظلام.. تغيرت القرية.. طريق طويل.. ثم في مكان عام يترك إبراهيم وحيداً.. أمي.. أبي.. وبكاء حزين.. يدور بين المارة.. عيناه شاخصتان.. قلبه يخفق..

لماذا امتدت يد الغدر إلى إبراهيم هل للثأر أم لقصة يخفيها الزمن؟..

وفي ساعة متأخرة من الليل.. تعود نورة من عملها لتجده وحيداً بجوار أحد المنازل.. ياه طفل.. كم هذه الأم مهملة.. قالتها نورة وهي متجهة نحو الباب الذي بجانبه.. تطرق.. ثم تطرق.. يفتح رجل كبير في السن لتسأله عن الطفل ويؤكد لها أنه لا أطفال لديه فزوجته ماتت منذ سنوات وتزوَّج أبناؤه وتركوه وحيداً في هذا المنزل.. عادت نورة نحو الطفل وحملته بين أحضانها.. أين تذهب به.. وبعد سلسلة من الأفكار.. اتصلت بمركز الشرطة.. وهناك يصحو إبراهيم ليعاود البكاء والحنين.. أيام يقضيها في مركز التائهين.. يتحول بعدها إلى بيت الطفل لرعاية الأيتام.. سنوات.. إبراهيم الآن في الابتدائية.. لا يذكر من أمه إلا أحلاماً.. يغوص مع أقرانه في لعبهم.. ثم يعود للأفكار.. تناديه المربية كلما لمحته يجلس منفرداً لتحتضنه لعلها تعطيه شيئاً من حنان أمه المفقود.. إبراهيم الآن أبيض البشرة مشرئبٌ بحمرة الورد.. أشقر الشعر.. عربي الملامح..

سنوات.. وما زال إبراهيم في دار الأيتام..

إبراهيم قصة طفل في الرابعة من عمره تقريباً أحضروه إلينا في مركز التائهين في شعبان 2241هـ وهو لا يعرف من أمره إلا اسمه الذي ينطقه بصعوبة عاش معنا أياماً حزينة رغم ما يتخللها من لعب ومرح في جنبات المركز نقل بعدها إلى بيت الطفل لرعاية الأيتام.






التوقيع :
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

.

مصاص الدماء

قديم 14-03-2008, 06:08 PM   رقم المشاركة : 3 (permalink)
نـــــــــوووفا
مراقبة الأقسام الإجتماعية
 
الصورة الرمزية نـــــــــوووفا

بيانات العضو

نـــــــــوووفا غير متواجد حالياً

نـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيط


وسام التميز: This is a default medal - السبب: حصولك على العضو المميز لشهر أكتوبروسام الكنز الشيف: وسام للفائزين بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه - السبب: الفوز  بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه
مصاص الدماء


[ صالح ] ..
فتى صغير .. جاوز الحادي عشر من أعوام عمره ..
كان [ صالح ] يشكل ثنائياً فريداً من نوعه مع أخيه [ راشد ] .. فبالرغم من أنه يصغره بسنتين إلا أنهما كانا كالجسد الواحد ..

عاش [ صالح ] في المنطقة الشرقية حياته مع والده الكفيف .. فلقد أصيب أبوه في عينه بداء أفقده البصر .. وسجل اسمه في سجل أهل الأعذار .. رغم محاولاته اليائسة للعلاج .. لكن أمر الله فوق كل شيء ..
كانت حياة [ صالح ] واسعة النطاق .. غير محدودة بإطار .. فإخوانه في كل صوب وناحية .. كلٌ لاهث خلف دنياه تقوده .. وربما يقوده أحياناً ..

كان للمخطط الذي يسكنه [ صالح ] دور في تربيته .. ربما فاقت كل دور قدمه والده ووالدته .. فلقد كان مع أخيه [ راشد ] يتظاهران بالقوة والبسالة أمام ابناء الحارة .. وربما قاما بمجازفات لا تعقل لإثبات ذلك ..

هاهو [ صالح ] قد أمسك بـ ضب في زهو أمام أبناء الحارة وجمع من [ العرابجة ] ..
وبحركة سريعة .. يرفع الضب عالياً .. ويقول : ( شباب .. انظروا ما سأفعل ) .. واستل سكينا معه فشق صدره لينزل الدم سريعاً .. ويبتدر شربه وسط ذهول الجميع ..

عجبا .. هل غدا [ صالح ] مصاصاً للدماء .. !

------------------

عذرا ..
فلقد كانت الأيام تخبئ في طياتها أشياء وأشياء ..

------------------

يوماً ..
ومع الإهمال الأسري .. والخرزات المنحلة ..
تعرف [ صالح ] على ساحر من سكان الحي ..

كان ذلك ( حدثا ) فريداً في حياته ..
لقد كان يصنع العجائب .. !
يدق الريال المعدني بعينه ..
ويسير وسط النار بجسده ..
ويحدث بالغرائب والفرائد ..

كان [ صالح ] يقف مشدوهاً أمام تلك القوى الخارقة ..
يردد دائماً : ( أرجوك .. علمني ) ..
لكن الرفض كان الجواب المتوقع .. ( لطفاً من الله ) ..

وبعد أشهر .. هرب الساحر إلى خارج المملكة .. بعد أن أحس بافتضاح أمره ..

-------------------

و كانت الأيام تخبئ في طياتها أشياء وأشياء ..

-------------------

أحس الوالد أن بقاءهم في ( الدمام ) سيضعف معيشتهم .. خاصة مع ضعف المردود المادي للمحل التجاري هناك ..
لذا .. كان لا بد من اتخاذ قرار حاسم ..
( سننتقل إلى الرياض ) .. وبلا مقدمات ..
لم يكن أمام الأبناء إلا الإذعان .. فقرار أبيهم لا مجال للأخذ والرد فيه .. ولو جرب أحدكم التحاور مع ( كفيف ) لعلم تلك الحدة التي تنتابه ضد من يخالفه ..

---------------------

وفي الرياض .. كان لـ [ صالح ] موعد مع توجه آخر ..
ترى ..
ما الذي حدث له ..
وكيف وقف مع أخيه [ راشد ] جنباً إلى جنب ..
وما ردة فعل إخوته .. ؟


-----------------------

(2)
( محنة .. في طيّها المنح ) ..


هاهي الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر .. والشمس المحرقة تذيب الجلد والجليد ..
وهاهو [ صالح ] يحمل على كتفه التلفاز ليضعه في مكانه في غرفة الجلوس ..
هنا أنسب .. قالها [ راشد ] مشيراً إلى مكان آخر ..
لكن [ صالح ] كان قد وضع التلفاز وانطلق لحمل شيء آخر .. !
فرغم ما كان بينهما من الود .. إلا أن النفس كانت تكاد تخرج من شدة التعب والإعياء [ والحر الشديد ] ..

استقرت العائلة في ذلك الحي .. وهو نسبياً من أفضل أحياء الرياض سكاناً ومنطقة .. خاصة وأن البيت لصيق بالجامع .. خاصة وإمامه معروف بصوته الندي الذي يحيطك بروحانية عجيبة ..
لكن ..
لم يكن القرب أو البعد من الجامع يعني لأسرة [ صالح ] شيئا كبيراً .. إذ لم يكن من أسرتهم أحد يصلي .. إلا [ صالح ] .. حيث كان يصلي في البيت .. نقراً كـ[ نقر الغراب ] .. وربما أسرع ..
كان إخوته يهزؤون به : ( [ صالح ] هل تظن أن صلاتك هذه تفيدك شيئاً ) .. لكنه لم يكن يجيبهم .. كان يقول : ستنفعني صلاتي هذه يوما ..!
ولم يكن [ صالح ] بعيداً .. لكن .. كان بحاجة إلى من يعلق الجرس .. فكم من الغرقى حولنا قريب إلى شاطئ النجاة .. لكن من يلقي له الطوق ..[ يبقى سؤالاً ]..

كان بيت [ صالح ] مليء بالشباب .. فإخوته من الذكور ستة .. وكلهم متقاربي العمر .. فأكبرهم قارب الثلاثين .. وأصغرهم جاوز العاشرة ..
ولأجل ذلك .. فلم يكن يوم يمر إلا وتحدث مشكلة في البيت .. وترتفع الأصوات .. وربما يصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي ..

لكن ذلك اليوم لم يكن عادياً ..

خرج [ صالح ] من منزله بعد مشاجرة حدثت مع إخوته .. حيث كانوا في صف .. وكان هو في الصف الآخر .. أحس أن المعركة غير عادلة .. وربما .. مؤامرة .. فخرج ..

في الشارع ..
وقف [ صالح ] أمام باب البيت حائرا ..
ماذا أفعل ؟؟
وإلى أين أذهب ؟؟
أأعود .. ؟؟
لا لا .. ( فلم تكن نفسه الأبية تطاوعه للعودة مهزوماً ) ..
نظر يمنة ويسرة ..
شدّه ذلك الصرح العظيم ..
نعم .. إلى هناك .. !

-----------

دخل [ صالح ] ..
نعم .. دخل .. ولأول مرة ..
دخل الجامع ..

الله ..
ما هذه الروحانية .. ؟
وما هذا السكون ..؟
ما أعظم الفرق بين هدوء الجامع وصخب المنزل ..

رمى [ صالح ] ببصره إلى زاوية بالجامع ..
اتجه إليها ..
وفي الطريق : تذكر أن أستاذهم الوقور .. ذا اللحية المهيبة .. والخلق الدمث قد أخبرهم أنه ينبغي على كل داخل للمسجد أن يصلي ركعتين ..
استن سارية .. وبدأ يصلي ..
ركعتين .. مرت كلمح البصر ..
لكنها كانت شيئاً ..

------------

وحضرت الصلاة ..
صلاة مشهودة .. وبداية حياة جديدة لصاحبنا ..

يا الله ..
ما أسعد المصلين هنا .. وما أهناهم ..
تُـرى .. كيف كنت أمضي حياتي بعيداً عن هذه السعادة ..
انظر ..
ذاك يتجاذب مع جاره أطراف الحديث ..
وآخر يعانق جاراً قدم من سفره ..
وثالث يعين كهلاً للذهاب إلى منزله ..

الله ..
ما هذه الحياة ..
نِعم هؤلاء .. ونِعم ما هم فيه من السعادة ..

----------------

كانت تلك .. بداية البداية لــ[ صالح ] .. ونبوءات ميلاد جديد ..
لتنطلق الحياة الجديدة بأحداثها العجيبة ..
فلصاحبنا أحداث وأحداث ..
كيف ثبت على الطريق ..؟
وهل سيقبل به أصحابه الجدد ؟
وما موقف أهله تجاهه ..؟


---------------

(3)


بدأ [ صالح ] يكثر التردد على الجامع .. فلم تكن صلاة تفوته .. لكنه أحياناً - وخاصة في الفجر - تغلبه عيناه فلا يستيقظ إلا مع بدء اليوم الدراسي .. فيقوم فزعاً .. يصلي الفجر .. ويأخذ حقيبته متجهاً إلى مدرسته الثانوية ..
كانت تلك الأحداث في نهاية العام الدراسي .. وكان معها التغيير ..

وفي المنزل :
لاحظ إخوة [ صالح ] تغيره .. لكن الأمر لم يكن يعني لهم شيئاً .. فالإحساس قد تبلّد من سنين ..
لكن ..
كانت هناك نفس شدّها تغير [ صالح ] .. حيث كان [ راشد ] الأخ والصديق .. بل والحياة كلها لـ [ صالح ] ..
لذا .. كانت الصراحة بينهم شعار ..
اتجه [ صالح ] لـ [ راشد ] ..
قال له : أخي .. ألا تصلي .. ؟؟
[ راشد ] : ماذا ..
كان السؤال مفاجئاً لـ [ راشد ] ..
[ صالح ] : والله يا أخي .. لقد وجدت حياة أخرى في الصلاة والقرب من الله ..
[ راشد ] : كيف .. ؟؟
[ صالح ] : إني والله أعيش أياماً لم أعش مثلها قط .. صدقني يا أخي .. الحياة في المسجد شيء لا يوصف .. والحياة مع الله أمر لا يقدر بثمن .. راحة وأي راحة .. صدقني يا أخي .. عش معنا .. وستجد اللذة الحقيقية ..
[ راشد ] : ولكن ..
[ صالح ] : أبداً يا أخي .. الأمر أيسر مما تتصور .. فقط اعزم .. وسيعينك الله ..

كان تلك الكلمات .. بداية التحول لحياة [ راشد ] و[ صالح ] .. ليصبحا ثنائياً في الخير .. بعد أن أمضيا في الشر سنيناً ..

----------------

ومع بداية الصيف ..
كانت المراكز الصيفية قد فتحت أبوابها .. وبدأت تستقبل الشباب والفتيان ..
كان [ صالح ] كـ كثير من الشباب .. لا يعرف المراكز الصيفية ..
لكنه اطلع على إعلان أحدها ..
شدّه ما فيها من البرامج الممتعة .. واللقاءات الرائعة ..
وأزّه إليها أكثر قرب المركز من بيتهم ..
خاصة وأن [ صالح ] لا يملك سيارة .. وليس لديه وسيلة نقل إلا سيارة أخيه القديمة .. التي تسير ساعة وتتعطل أخرى ..

لكنه .. كابد الصعاب ..

---------------------

قرر [ صالح ] و [ راشد ] الانضمام إلى المركز الصيفي .. والانخراط في برامجه ..
كانت خطوة رائدة في حياتهم ..
فالمركز الصيفي مشروع رائع .. هنيئاً لمن كانت فكرته ..

ومع المركز ..
تغيرت حال الأخوين شيئاً فشيئاً ..
وأحسا بالإيمان يضيء في صدروها ..
يا الله ..
ما أجمل حياة الإيمان ..
وما ألذها ..

تعرف [ صالح ] على صحبة من الأخيار في المركز الصيفي ..
وعلم بعد ذلك أنهم في حلقات تحفيظ القرآن ..
لكنه ..
لم يكن يعلم ما هذه الحلقات ..
عذرا ..
فـ [ صالح ] يعيش بين أظهرنا ..
لكنه كان مغلقاً عن العالم حوله ..

ارتبط [ صالح ] بأحد الشباب ..
أحبه .. وأحب أخلاقه وحسن خلقه ..
وكانت تلك بداية الانطلاقة .. مع أولائك الأخيار ..


----------

(4)


المركز الصيفي .. كان بداية الانطلاقة .. ومشروعاً لحياة جديدة مع كثير من الشباب ..
إنها البذرة الصالحة .. والغرس الطيب .. والتي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ..
سنتجاوز جميع ما حدث في المركز .. لننتقل إلى يوم السبت .. حيث بدأت الدراسة لعامها الجديد ..
كان [ صالح ] يدرك أن هذا العام سيكون مختلفاً عن سابقه .. فحياتي ستكون لله ومع الله .. فما أعظمه من هدف ..
أصبح [ صالح ] يعد الدقائق والساعات وهو ينتظر أول أيام الحلقة .. فهو يسمع عن الحلقات وطلابها .. ويرى ما هم فيه من الخلق والسمت .. لكن .. أن يكون أحدهم فهو ما لم يتصوره طيلة حياته ..
وبعد الصلاة .. انطلق إلى حلقته برفقة أخيه [ راشد ] في سيارتهما المتواضعة .. لكن الهمة .. تصنع أهل القمة ..
دخل الجامع .. وكانت بداية الحياة مع القرآن ..
لقد كان [ صالح ] يحمل همة عالية .. جد عالية .. حيث بدأ الحفظ من سورة ( البقرة ) .. وكان يحفظ القرآن كما أنزل مرتلاً مراعياً أحكام التجويد الصحيح ..
أحس [ صالح ] بنشوة وهو يحفظ كتاب الله .. فهو أمام تحد جديد وصراع شديد نحو هدف عظيم ..لذا .. لم يكن [ صالح ] عادياً ينهي المطلوب منه فقط - كما كان غيره - .. بل كان يجاهد نفسه وينجز كما ينجز الطالب الحافظ لكتاب الله ..
لكن ..
كان أمام [ صالح ] عقبات كثيرة يصعب تجاوزها ..إذ لم يكن التغير الجذري بالأمر الهين .. فلقد عاش في أكثر البيئات سلبية بين أبوين وإخوة عوام .. لا يكاد أحدهم يعرف من العلوم الشرعية أو الدنيوية شيئاً يميزه ..
كان أعظم الحواجز أمامه حاجز اللغة العربية .. فلقد كان يشعر بالنقص أمام زملائه وهو يتحدث إليهم .. فلغته العربية ركيكة جداً .. فضلاً عن أن يحاول التحدث في النحو أو يعرب بيتاً أو حتى كلمة من مقال ..
وكم كان يحس بالحرج الشديد حين يطلب منه المعلم القراءة .. فيحاول جاهداً .. لكن [ الخرق ] أعظم من [ الرقع ] ..

ذات يوم ..
كان [ صالح ] جالساً مع نفسه .. قد أخرج ورقة وأخذ يسجل جوانب النقص لديه .. مباشرة كتب : النحو واللغة العربية ..
ثم أخذ يفكر ..
تذكر أنه مرة اختلف هو وصاحب له في المسح على الخفين للمسافر .. ثم مر على ذهنه ذلك الموقف الذي لا يكاد ينسى ..
فلقد سأل المعلم عن القصر في السفر .. فأجاب بأن صلاة المغرب تقصر إلى ركعتين .. فلم يكمل الجملة حتى عم الضحك الفصل ..
لقد كان موقفاً محرجاً .. ( تمنيت أني لم أنطق .. بل لم أحضر ذلك اليوم ) ..
فكر ..
كيف لي أن أطور نفسي في هذا ..
تذكر أن هناك درساً في الجامع الكبير في الحي المقابل .. يلقي فيه أحد كبار العلماء درساً ميسراً في فقه الطهارة والصلاة ..
وبعد العشاء .. حمل دفتره .. وانطلق إلى الجامع ..
وفي الجامع : كان الجميع قد تحلّق حول الشيخ .. في منظر مهيب .. ( يا لله .. أجلوا الله فأجلهم .. ) .. قالها [ صالح ] وهو يدلف داخلا ..
وبعد الركعتين .. جلس عند الشيخ .. وبدأ مشواره مع طلب العلم ..

ومرت الأيام ..

----------------------

ذات يوم ..
جلس [ صالح ] مع أخيه [ راشد ] يحكي له معاناته مع اللغة العربية ..
[ صالح ] : [ راشد ] لقد عانيت كثيرا من تعلم اللغة العربية .. أكاد أجن .. لقد فقدت الأمل .. إنها معقدة حقاً ..
[ راشد ] : وانا كذلك .. لقد واجهت صعوبة كبيرة في فهم المعلم هذا اليوم ..
[ صالح ] : لكن ما الحل .. ؟ أنقف مكتوفي الأيدي ؟؟ ..
[ راشد ] : لا أدري .. لكن ألا يمكن أن نجد من يعلمنا ؟؟
[ صالح ] : يعلمنا .. !
[ راشد ] : ما بالك .. هل قلت خطأ ؟؟
[ صالح ] : أبداً .. لكن ذات يوم .. وعندما كنت عند الشيخ في درس الفقه .. كان بجواري رجل يدرس في كلية اللغة العربية بقسم الدراسات العليا ..
[ راشد ] : ممتاز .. ألا تعرض عليه الأمر ..
[ صالح ] : بالتأكيد ..

وفعلاً .. وافق الأستاذ على تعليمهم .. مقابل مبلغ رمزي ليعلم جديتهم ..

-----------------------

كان الأستاذ [ خالد ] يشرح مادة النحو لطلاب الصف الثالث ثانوي ..
وبعد الدرس ..
سأل [ صالح ] عن جزئية في الدرس ..
كان الأستاذ خالد مثالاً للمعلم الناجح والمخلص ..
قال الأستاذ : لو قلنا مثلا : الطلاب ناجحون .. ما إعراب ( ناجحون ) ؟؟
سكت [ صالح ] ..
أعاد الأستاذ .. ولكن لم يجب ..
كرر السؤال ..
نزل [ صالح ] رأسه .. وقال : لا أدري ..

كانت صدمة كبيرة للأستاذ [ خالد ] .. فـ [ صالح ] من الطلاب الممتازين على مستوى القسم الشرعي ..
فكر قليلا .. ثم قال : أنصحك يا [ صالح ] بقراءة الأدب الجاهلي مع إعرابه .. وستجد الفرق بعد أيام ..

لم يعلم الأستاذ أن تلك ستكون شمعة .. بل شمساً ستتقد في طريق [ صالح ]..


-------------

(5)


سبحان الله .. وهكذا الأيام ..
من يتصور أن [ صالح ] سيتغير تغيراً كهذا خلال سنتين ..
كم نحن بحاجة إلى ألا نيأس عند دعوة للآخرين .. فلا ندري متى يفتح الله على قلوب أولائك ..

أصبح [ صالح ] يتطلع إلى أن يكون من كبار العلماء .. فهو يرى شيخه كيف رفعه الله بالعلم درجات ..
لذا .. عزم على الالتحاق بكلية الشريعة ..
كان هذا هاجسه الدائم خلال دراسته الثانوية ..
خاصة وقد ازداد حماسه بعد تجاوزه لعقبة النحو واللغة العربية .. فأصبح خلال شهر ينافس الأوائل في الإعراب ومهارات اللغة العربية .. لقد كان مثاراً للعجب ..

كان [ صالح ] يأخذ معه كل يوم كتاباً ليقرأه في الفصل .. حتى أنهى كتاب ( حادي الأرواح ) وهو في الصف الثاني ثانوي .. وما أعظمه من كتاب .. حيث أبدع ابن القيم الحديث في وصف الجنة .. وهي دعوة للجميع لاقتناء الكتاب .. فمعه ستنسى الدنيا ولذاتها .. [ نسخة مصورة إلى قسم الإعلام المقروء ] ..

لم يكن [ صالح ] يقرأ في أي فن .. بل كان يريد أيضاً أن يطور نفسه من خلال ما هيّة ما يقرأ .. فليست المسألة تسلية .. بقدر ما هي تطوير وتغذية ..

دخل المكتبة .. وأخذ يتجول في أروقتها ..
رمق ركناً في الزاوية فيه كتب تختلف عن غيرها ..
وصله .. أخذ يتصفح الكتب : ( كيف تتقن الإدارة في ساعة - كيف تكسب موظفيك - فنون التعامل مع الآخرين - من حرك قطعة الجبن - دع القلق وابدأ الحياة ... ) ..
كانت تلك العناوين تشده .. فهي تشبع جانباً لديه ..
لقد كان يحس بجفاء من الآخرين .. فهو يحب فلاناً وفلاناً .. لكنهم كانوا باردي المشاعر معه ..
كان يشعر بشيء من الكمد والحزن .. لكنه يعزي نفسه بالصحبة الصالحة أحيانا .. وبصدق الأخوة أحيانا أخرى ..

أقل من دقيقتين .. و[ صالح ] أمام المحاسب قد اقتني كتابين منها ..
انطلق إلى البيت .. وهناك أخذ يقرأ من ذا .. ويتصفح شيئا من ذاك ..

ساعتان مرت .. لم يشعر [ صالح ] بنفسه حتى دخلت عليه أمه .. ( ألم تنم يا [ صالح ] ) ؟؟
( ماذا .. كم الساعة الآن ؟؟ ) ..
كانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحاً ..
أغلق [ صالح ] ما في يديه .. ثم صلى ما تيسر ونام ..

-----------------

هاهو [ صالح ] يجلس بين أحبته وقد تحلقوا حوله مستمعين بإنصات لحديثه ..
كان حديث صالح ذا شجون .. وأسلوبه في مراعاة السامعين يشدهم إليه ..
لقد أصبح الجميع يحبه .. ويحب مجالسته ..
لم يكن يسفه رأي أحد .. ولا يحتقر جلوسه بجواره ..
لقد أعطى الجميع حقه .. وأظهر لهم حبه الكامن .. فأحبوه ..
لقد كان يأخذ بالقاعدة النبوية : ( أخبره أنك تحبه ) .. وكان يرى أثرها بالغاً على الآخرين ..

إنه سحر الأخلاق .. السحر الحلال ..

كان [ صالح ] يؤمن أن تغيير الناس يأتي بعد ارتياحهم للمتكلم وحبهم له .. لذا كان يكن لطلاب فصله حباً عظيما .. حتى أصبحوا ينتظرونه إذا تأخر .. ويسألون عنه إذا غاب ..

لقد كان [ صالح ] معلماً بخلقه .. ومربياً بأدبه.. تشعر أنه صادق مع الله .. فلا تتعجب .. أن يكتب الله له القبول بين خلقه ..

---------------------------

النخلة العوجاء ..
مثل يضرب لمن ينفع البعيد ويدفع القريب .. فهي نخلة عوجاء .. أصلها في مكان وثمرها في مكان آخر ..

كان [ صالح ] يعي أن خير الناس أنفعهم للناس .. وأحق الناس بالنفع أهله ..
خاصة .. وأن بيتهم قد وضع فيه الحبل على الغارب .. فكلٌ يصنع ما شاء كما شاء ..

في أحد الأيام ..
شعر صالح بجلبة وحركة غير عادية في بيتهم ..
كان إخوته يصعدون وينزلون ..
ماذا ؟؟
لقد كان الخبر مفاجأة ..
ترى .. ما الذي حدث ؟؟

لقد وضع إخوته طبقاً فضائياً فوق البيت ..
لكنه ليس طبقاً عادياً ..
لكن وُضع فيه رأس من خارج المملكة .. يجلب قنوات الإباحة والفساد جهاراً نهاراً ..

مصيبة .. لا يمكن التغاضي عنها ..
كان [ راشد ] يشعر بالهم نفسه ..
يتساءل :
هل سأكون ديوثاً أرضى الخبث في أهلي .. ؟؟
ماذا أقول لربي حين أقدم عليه ..؟؟

كانت مصيبة أعظم من أن تحتمل ..
يبكي .. ولكن البكاء لا يجدي ..
يشكي .. وما ستنفع الشكاة .. ؟

أعلن الأخوان حالة الطوارئ .. اجتماع مغلق للمشكلة ..
كان أمامهم خيار واحد ..
فالتغيير لن يكون عن طريقنا ..
لابد من سلطة أعلى ..
لكن من ؟؟
والدنا .. لا يأبه بنا أصلاُ .. فكيف سيتعاون معنا ..
أمنا .. نعم .. أمنا ..
لكن .. كيف ..؟؟

اتفقا على أن يتولى [ صالح ] التأثير على والدته وإقناعها ..
أحس صالح أن المهمة صعبة .. وربما لا تنجح ..
فماذا سيعمل ؟؟


-------------

(6)


انطلق [ صالح ] إلى أمه ..
جلس عندها ..
أخذ يتجاذب معها أطراف الحديث ..
ثم قال :
( أماه .. كم أعلم ما فيك من الخير وحب الدين .. فالله يحب من ينصر دينه وينشر الخير ..
لقد تضايقت يا أمي عندما رأيت ما وضعه إخوتي .. أترين هذا الطبق .. إنه ينشر الفضيحة بلا حياء ..
أترضين ما ينشره لبناتك .. أترضين أن تكون فلانة كهذه العاهرة .. أترضين أن يتلقى أبناؤك الأطهار تلك الثقافات الفاسدة ... ) ..
كان [ صالح ] يكرر ذلك .. والتأثر يظهر على وجه أمه ..
( يكفي .. لكن ما العمل .. ؟؟ ) ..
انفرجت أسارير [ صالح ] .. وقال : ( لقد كنت أتوقع منك هذا .. فأنت أم الخير وصاحبته .. والحل في أننا نكسر هذا الجهاز .. )

انطلق الثلاثة إلى سطح المنزل .. وفي لمح البصر أصبح ذلك الجهاز في أسفل البيت ..
لقد رموه من سطح المنزل إلى أسفله مباشرة .. فغدا متردية خبيثة .. لا ينتفع منها بشيء .. حتى ولو دبغت ألف مرة ..

كانت تلك أولى علامات النصر لـصاحبنا .. وأولى المبشرات ..

لكن ..
لم يكن الأمر بهذه السهولة .. فما أشد الشباب وعنادهم ..
فبعد أيام إذا بجهاز جديد يوضع في المنزل ..

صدمة غير متوقعة .. فلم يكن يظن أن إخوته سيضحون بمالهم مرة أخرى .. رغم شح الموارد المالية ..
لكنه الشيطان .. يؤز الناس إلى العذاب أزاً ..

كان [ صالح ] صامداً .. شعاره : ( وإن عدتم عدنا ) ..
يقول لي : ( لقد كسرنا - يا أبا زيد - ثلاثة أطباق في بيتنا ) ..
يا لله .. ما هذه العزيمة .. لله أنتم ..

كان [ صالح ] يأسر من حوله بعزيمته الفذة .. فلقد غير في حياته الكثير .. وغير من حياة الكثير .. في سنتين ..
بل لقد خطا خطوات رائدة في اللغة الإنجليزية خلال أشهر بعد أن كان لا يعرف إلا الأحرف .. بل حتى الأحرف لا يعرف أكثرها ..

--------------

انتهى العام الدراسي .. معلناً تخرج [ صالح ] ونجاحه وأخيه [ راشد ] وانتقالهم إلى المرحلة الجامعية ..
لم يتردد الأخوان في التسجيل .. فلقد التحقا بكلية الشريعة دون تردد ..
وكانت لهم هناك حوادث وقصص ..
ومنها الحادث الأهم .. والذي حدث قبل أيام ..
فما الذي حصل ..


---------------

(7)


كلية الشريعة .. أفضل كلية شرعية على مستوى العالم .. وأنقاها منهجاً .. خرجت ولا زالت تخرج العلماء وطلبة العلم والدعاة والوعاظ .. في أروقتها لا تتأذى من رائحة سجائر ذاك .. ولا من نغمة جوال الآخر .. ولا تتضايق من أخبار المباريات ونقاش التوافه فيها .. راحة نفسية لا تضاهى .. لا أبالغ إن قلت : إنه لا يمكن أن يجتمع هذا العدد من الأخيار في مكان بشكل يومي إلا في كلية الشريعة ..

في تلك الكلية .. كان [ صالح ] يسير حاملاً كتاب حاشية الروض المربع في يمينه والعقيدة الطحاوية في يساره .. يحث الخطى ليلحق بالمحاضرة الأولى حيث بدأت قبل ثلاث دقائق ..
( السلام عليكم ..) .. قالها [ صالح ] ثم دخل ..

كان [ صالح ] يشعر بنشوة والدروس تتوالى عليه كل يوم .. من فن لآخر .. ومن علم لثانٍ .. في تناسق عجيب ..
يقول في نفسه : " ترى .. هل يوجد مكان آخر يمكن أن أطلب فيه العلم بهذا التركيز والموضوعية ؟؟ " ..
وفي البيت .. لا يفتأ يقلب صفحات الكتب مراجعا ومعلقا .. وأحيانا يقرب [ المسجل ] ليسمع شريطاً يشرح أحد المواضيع .. خاصة في [ النحو ] .. والتي كان [ صالح ] يوليها اهتماماً بالغاً ، فيحضر الدرس قبل شرحه من أكثر من كتاب .. ويحضر وقد فهم الدرس كاملاً .. فلا يبقى إلا التعليق والمتابعة ..
مر الفصل الأول بأحداثه وحكاياته سريعاً كلمح البصر .. فلم نشعر إلا وقد بدأت الاختبارات النهائية .. ثم ها هي تنتهي .. وتخرج النتائج ..
انطلقت سريعاً للجامعة .. لأشاهد النتائج وقد [ علقت ] في [ البهو الداخلي ] .. ( فضيحة أمام الخلق ) ..
أخذت أبحث في أسماء الحاصلين على امتياز من الأحبة ..
ما شاء الله .. فلان ممتاز .. وفلان كذلك .. وذلك الطالب غير المعروف أخذ ممتاز أيضاً .. نتائج مبشرة حقاً ..
لكن ترى .. أين [ صالح ] ..
تفاجأت كثيراً .. حين لم أجد اسم [ صالح ] ممن حصل على ممتاز .. لقد ظننته من الأوائل .. لكنها صدمة ..
لقيت [ صالحا ] بعد ذلك .. فسالته ..
كان جوابه غريبا .. وغير مفهوم .. وربما يظنني ساخرا .. !!
لا أدري .. فلربما كان ذلك المستوى بداية التثبيط لذلك النشاط الباهر ..

--------------------

استمرت الحياة بحوادثها ..
تولى [ صالح ] إمامة مسجد قريب من بيتهم ..
واشترى سيارة بالتقسيط على حسابه الخاص ..
وكان يفكر أحيانا بالزواج .. لكنه كان عقبة كؤود .. فليست أموره بالهينة ..

[ سعد ] .. من أقرب أصدقاء [ صالح ] .. فبينهما محبة عظيمة ..
فلا تسأل عن أحدهما إلا وتجد الآخر ..
أحيانا أجلس مع [ سعد ] فيقول : " ليت [ صالحا ] معنا .. " .. وكذلك العكس ..
لكن [ صالحا ] لم يكن يظهر صحبته الحميمة - أحيانا - للآخرين .. ( ربما لشيء في نفسه ) .. لكنها تأبى إلا الظهور ..
كانت صداقتهما في الله ولله .. لقاء في طاعة الله .. واجتماع لعبادته ..

---------------------------

كان [ صالح ] شخصية انطوائية ..
يحب أن يجلس كثيراً في بيته ..
ولا تروق له الطلعات وخاصة الطويلة منها ..
بل إنه - أحيانا - يطلب منا العودة من [ جلستنا البرية ] بعد ساعة من وصولنا .. !
وكثيرا ما يعتذر عنها من البداية ..

كان [ سعد ] يذكر أنه يطلب العلم ويدمن قراءة الكتب .. فنسعد بذلك كثيرا ..
لكن نشعر وكأننا [ نسمع جعجعة .. ولا نرى طحنا ] ..

----------------------------

لم تكن حالة [ صالح ] المادية ميسورة .. بل كان يعتمد على نفسه في توفير ما يحتاج .. وكثيرا ما يعتذر عن [ القَطة *] توفيراً لمصروفاته ..خاصة وأن أقساط السيارة تستهلك جزءا كبيرا من مصروفاته ..
وكان يلقبنا دائماً بـ [ أبناء المدرسين ] ..

* ( القطة : مصطلح شعبي .. يطلق على ما يدفعه المرء مشاركة لزملائه في غداء أو عشاء أو شراء أمر ما ) ..

ومع هذا .. فكنت أرى منه مفارقات عجيبة ..
فقبل عامين .. إذا به يقتني جوالاً جديداً في السوق بألفي ريال ..
وبعدها بعام اقتنى حاسباً محمولاً بأكثر من ألفي ريال ..

كنت مع تعجبي .. أسعد كثيراً بذلك .. وأبارك له ..
لكني كنت في حيرة من أمره ..

----------------------------

قبل أسبوع ..
كنت جالساً مع [ سعد ] وقت الإفطار نتجاذب أطراف الحديث ..
قال [ سعد ] : أتدري ما حدث لـ [ صالح ] ؟؟
قلت : ماذا ؟!
قال : اووه .. لقد تغير [ قالها مبديا ابتسامة مع شيء من الحزن ] .. وأشار إلى لحيته ..
قلت : كيف .. ؟؟ هل تساقطت لحيته ؟؟ [ حيث تذكرت قصة صاحب لي تساقطت لحيته فظن به بعض أصحابه سوءاً ] ..
قال : لا .. أنت شخص طيب .. لقد تغيرت .. فما هي كما كانت !!
قلت : وما الذي حصل ؟؟
قال : لا أدري .. لكني صدمت حين رأيتها .. فالمقص غير فيها شيئاً كبيرا .. وسترى بعد قليل ..

كان أمراً محيراً حقا .. [ صالح ] الذي كان يعتب وينتقد بشدة من كان يأخذ من لحيته إذا به يقع في نفس الحفرة ..
يا لله .. ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) ..

وبعد قليل .. كنت أمام باب القاعة .. وإذا بي بـ [ صالح ] .. وليس كما نعرف ..
نظرت إليه آسفاً .. ولم أطق فأشحت بوجهي إلى الجهة الأخرى ..
صدمة .. وأي صدمة ..
من كان معيناً لنا على الخير .. قد بدأ يتخاذل عنه ..

عفواً .. فليست المسألة مظاهر فحسب ..
بل تتبعنا الوضع .. فإذا المخبر ليس كما كان ..
علامات التغير بدت واضحة في أكثر من جانب ..

حقيقة ..
كنت .. ولا زلت .. محتاراً ..
ماذا نصنع ؟؟
وكيف نرد صاحبنا إلى جادة الصواب ؟؟

أما [ سعد ] و [ راشد ] فهما يتقطعان ألماً مما يحدث .. ويسعيان جاهدين للرجوع به نحو جادة الصواب ..

مؤلم حقاً .. حين يتخلف عنك أعز من كان يعينك ..
إنه جرح لا يندمل .. وكسر لا ينجبر ..

---------------
[مصاص الدماء] ليس كالأمس .. !






التوقيع :
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

.

كنت شريكته في الإجرام

قديم 14-03-2008, 07:11 PM   رقم المشاركة : 4 (permalink)
نـــــــــوووفا
مراقبة الأقسام الإجتماعية
 
الصورة الرمزية نـــــــــوووفا

بيانات العضو

نـــــــــوووفا غير متواجد حالياً

نـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيط


وسام التميز: This is a default medal - السبب: حصولك على العضو المميز لشهر أكتوبروسام الكنز الشيف: وسام للفائزين بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه - السبب: الفوز  بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه
كنت شريكته في الإجرام


داهمني الزواج وأنا لم أطوِ بعد سنوات المراهقة بعنفوانها ورقة شعورها وأحلامها وتهورها، وقلة تعقلها وحكمتها، عاد من بلاد الغربة وهو يحلم بالزواج من فتاة شابة صغيرة جميلة تحبه ومن أسرة مثقفة منفتحة تقبل به دون تردد.. فوجد كل تلك الصفات متوافرة لديَّ، يتوجها الجمال الفاتن والابتسامة الرائعة، فدخلت قلبه آمنة مطمئنة، وتسلل هو إلى فؤادي كأول فارس أحلام ووجد قلبي خالياً فتمكن منه.

لم يكن ينقصه المال ولا الشباب ولا الوسامة، بل كان كلانا ينقصه الوعي والتعقل والتجربة، والنظرة الواقعية لحياتنا الزوجية.. ولكن آه.. حيث لا ينفع الندم.. قلب الشباب إذا لم يملؤه نور الإيمان تسللت إليه وساوس الشيطان، وعربدت فيه ألوان المكر والعدوان.. وهذا حال عروسين جديدين صغيرين، وجدا الدار الواسعة والمال والخادمة والسيارة الفارهة، وأحاطت بهما شلة من الأشرار، وأصحاب المزاج والطرب واللهو والسهر.

لا تستغربوا هذا واقع كثير من الناس في كثير من الدول، ولكن حمى الله ديارنا وأرضنا، فمن ابتلي منهم لا يعترف بخطئه، وقد لا يُصلح نفسه أو يقوّم إعوجاجه.. وكحال مثل هذه النماذج، فقد وقعت فريسة أو قل ضحية لمثل هذه السلوكيات.. ولا يخفى عليكم كيف أن الكثير من العائدين من بلاد الغرب يكونوا قد درجوا على سلوكيات وأخلاقيات غريبة ومنافية لأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا. إلا من رحم ربي. ومنها شرب الخمر وتعاطي المخدرات، ومخالطة النساء، وحضور سهرات الرقص والطرب، وعادة ما يتعلمها البعض في مرحلة الشباب خلال فترة الدراسة وغالباً ما يتخلى عنها البعض لدى عودتهم إلى أرضنا الطاهرة التي لا توفر لهم مثل هذه الأشياء.

لكن زوجي – رحمه الله وغفر له – جاء حين عودته للزواج والاستقرار، وهو يصطحب كل تلك العادات والسلوكيات، ووجدني ليّنة العود ومحبة له طائعة مفتونة به فطوعني على مزاجه كما يريد.. فكان منزلنا مليء بجميع الأجهزة من تلفزيون إلى فيديو إلى آخره، وكذلك يضم أشرطة فيديو من كل ما يخطر بالبال وما لا يخطر بالبال.. كان طموحه أن يجعلني أقبل بواقعه، وأرضى بتصرفاته ولا أحدُّ من حريته.. ولكن للأسف الشديد.. المسألة فلتت وتخطت الحد المتوقع.. كان كثير السهر مع شلة الأنس الذين هم من شاكلته.. وهم ندماؤه.. وكنت أمضي جُلَّ وقتي مع هذه الأجهزة ومشاهدة ما يليق وما لا يليق من أشرطة الفيديو، حتى أدمنت هذه الأشياء فصرت أمضي النهار نوماً.. وهو في العمل.. والليل مشاهدة للأفلام وهو مع أصحابه.. وقليلاً ما كنا نجد وقتاً يجمعنا سوياً للمؤانسة.. كان يجد متعته وسعادته مع أصدقائه ومزاجه.. ولا يحس بحاجة شديدة إليَّ، لكنني كنت أحتاج إليه كثيراً، ولا أجده، بل أجد الخادمة إلى جواري وهي تراقب مزاجي، وذوقي في مشاهدة الأفلام، وتقدم لي عروضها (ماما إنت يبغى شريط سيم سيم؟) فأومئ برأسي نعم!!

وفي اليوم الثاني يكون معي أحدث الأشرطة من النوع (إياه) فزاد أدماني وزاد قلقي، وزادت وحشتي ووحدتي، وبعد أن أنجبنا الابن الأول، صرت أتسلى معه بعض الشيء وكثرت مشاويري إلى أهلي، إلى المركز الصحي، إلى السوق، فجلب لي سائقاً أجنبياً، صار يرافقني أكثر من زوجي، ويقوم بإحضار كل متطلبات البيت من الأسواق، وأصبح ملازماً للبيت في الوقت الذي كان زوجي لا يمكث في البيت إلا قليلاً من الوقت، وما يلبث أن يخرج بحثاً عن الشلة والمزاج والأنس والسهر والطرب، وأنا وصغيري، والخادمة والسائق نسامر بعضنا.. كان السائق شاباً وسيماً لكنه في بادئ الأمر كان مؤدباً ومحترماً.. غير أن الخادمة – لعنها الله – دفعته إلى مراودتي في وقت كنت أحوج ما أكون فيه إلى وجود زوجي بجواري بآخر الليل، وبعد أن أكون قد فرغت من مشاهدة بعض الأفلام التي تحرك الغرائز وتثير الأعصاب.. كنت كالشجرة الصغيرة رفيعة الساق، في وجه الإعصار الكاسح، لم أستطع الصمود كثيراً، بل انهارت قواي، واقتلعني الإعصار من جذوري، ودخلت في دوامة أخرى هي أسوأ بكثير من حالة الإدمان والضياع التي كنت فيها والتي يعيشها زوجي، أنجبنا البنت ونحن ما زلنا على ذات الحالة، فكبر الأبناء بعد أن أنجبنا طفلين آخرين، ونحن منغمسان في ذلك الواقع المرير، وذلك المستنقع الآسن، ولكن للأسف تحول منزلنا إلى فوضى وأصبحت أسرتنا مفككة، من الطبيعي أن يجد الابن والده يجلس على انفراد مع الخادمة، أو يجد السائق يتحدث مع أمه، وكذلك البنت وهي على عتبات مرحلة المراهقة، كما أن الخادمة وجدت الأجواء المناسبة لابتزازنا ومحاولة التأثير على ابننا الأكبر، وجره إلى مهاوي الردى، وقد استفقت من هذه الغفوة مؤخراً.. وبعد فوات الأوان التفت حولي فوجدت منزلنا غريباً، وكل السلوكيات الدائرة فيه لا تمت لأسرتنا بصلة، لا لعاداتنا أو تقاليدنا التي جبلنا عليها.. فأول ما قمت به غيّرت السائق والخادمة واستغنيت عن السائق وبدلنا الخادمة بأخرى جديدة.. ولكن بعد ماذا.. بعد أن لاحظت ابني يتعاطى السجائر، وابنتي تكثر من المكالمات الهاتفية ولكن مع مَنْ؟ الله أعلم.

وبينما نحن نعيش هذه المأساة وتداعياتها الخطيرة والمثيرة في آن واحد، مات زوجي بعد مصارعة للمرض فترة طويلة وترك لي أربعة من الأولاد والبنات، منهم ولد في سن المراهقة، وبنت على مدخل مرحلة المراهلة، وترك لي مخلفات تجربة زواج مثيرة وغريبة ومليئة بالحرمان والانحراف والإجرام، صار وجهي شاحباً كأنني بنت الخمسين وأنا ما زلت في بداية الثلاثينيات، السهر وإدمان مشاهدة الأشرطة الإباحية خطف نضارة وجهي، ورونق عيوني وأتلف أعصابي، وجعلني لا أبدو في سني الحقيقية، بل أثر على تفكيري وتعاملي مع الغير، حتى الأهل والجيران صاروا ينظرون إلينا كأسرة منحرفة، فيمنعون أبناءهم من مخالطة أبنائنا، ويحذرون من زيارتنا أو من خلق أي نوع من العلاقات معنا.. صرنا محصورين حول أنفسنا أو الاختلاط بمن هم أسوأ منا.. نعم استيقظت على ركام أسرة جرفها (تسونامي) السلوكيات السيئة والإهمال، وسوء التربية، حيث ترعرع أبناؤنا في كنف أسرة تفتقد أبسط أساسيات الترابط والاستقرار والتماسك.

لا أستطيع أن ألوم زوجي (رحمه الله) في كل الذي جرى لنا وسيجري – ستر الله عليهم – لأنني كنت شريكته في كل الذي حدث، لأنني لم أقف في وجهه وأقول له هذا خطأ، وهذا حرام، وهذا مخالف، بل انجرفت وراءه بزعم حبه وطاعته، وانسقت وراء متعة اللحظة العابرة التي خلفت بعدها ندماً شديداً سيبقى أبد الدهر.. وبقدر ما كنت أستمتع باللحظات الغادرة وأمضي في غيي سادرة ها أنا ذي أسكب العَبَرَات والدموع، ولكن على ماذا.. على اللبن المهراق، حيث لا ينفع الندم.. دمرت بيتي، وأبنائي، وسمعتي وشبابي بعدم التعقل، وتنكب طريق الهلاك ومجانبة الحق والبعد عن تحكيم العقل والإيمان، إنها والله جريمة لا يغفرها التاريخ.. أسأل الخالق وحده أن يغفر لي ويردني إليه رداً جميلاً.






التوقيع :
Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

.

عائشة .. في غـرفة التشريح .. !

قديم 14-03-2008, 07:23 PM   رقم المشاركة : 5 (permalink)
نـــــــــوووفا
مراقبة الأقسام الإجتماعية
 
الصورة الرمزية نـــــــــوووفا

بيانات العضو

نـــــــــوووفا غير متواجد حالياً

نـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيطنـــــــــوووفا نشيط


وسام التميز: This is a default medal - السبب: حصولك على العضو المميز لشهر أكتوبروسام الكنز الشيف: وسام للفائزين بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه - السبب: الفوز  بمسابقة الكنز الشيف الرمضانيه
عائشة .. في غـرفة التشريح .. !








عائشة .. في غـرفة التشريح .. !





بدأ حلماً .. يراودها ، منذ تسع سنوات . وقتها .. كانت في الصف الثالث الابتدائي ، حين صارحت أمها ، بأمنية ( بريئة ) كأحلام الطفولة ، بعد موقف مرّ بهما . موقف ظل يتكرر كثيراً ، في أعوام تالية ، كلما أخذ والدها والدتها إلى المستشفى ، للكشف عليها .. حين تمر بعارض صحي . تسمع توسلات أمها عميقة ولحوحة ، وهي تتمنّع في بعض المرّات ، عن الذهاب إلى المستشفى ، رغم وضعها الصحي السيء ، ثم توافق على مضض :
- أرجوك يا ناصر ، إذا كان دكتور ، لا أريده أن يكشف علي ..!
في كل مرّة ، كان زوجها يرد بحزم :
- ليس عندنا حل ثانِ يا مها ، إذا لم يكن هناك دكتورة ..
- لا .. أرجوك يا أبا أحمد .. أموت ، ولا يكشف عليّ رجل .

سنوات تمضي ، ومشهد يتكرر . في إحدى المرّات .. تذكر أن والديها ، عادا من المستشفى ، بكيس من الأدوية . أبوها كان هادئاً ، لكن والدتها بدت بحالة نفسية متردّية ، أسوأ من تلك التي ذهبت بها . سمعت والدها يتحدث .. يطمئنها ، ويؤكد بأن حالتها عادية ، ولا تستدعي القلق ، وأقسم على ذلك عدة مرّات .. وأن الطبيب أخبره بذلك . ثم ختم حديثه قائلاً :
- وكان كذلك ، مؤدباً جداً .. وهو يكشف عليك . أليس هذا هو المطلوب ؟

أفرغ كيس الأدوية على طـــاولة صغيرة ، في وسط غرفة النوم ، وأخذ يستعرض تعليمات الاستعمال ، الملصقة عليها :
- كل شيء واضح .. أهم شيء الالتزام بالمواعيد .
نظر إلى ساعته وقال :
- سأخرج للصلاة الآن ، ولدي موعد بعدها ، استريحي .. عائشة ستساعدك .
نادى على ابنته ، وقال ممازحاً :
- أكيد تعرفين .. تقرأين ..؟
هزت رأسها ..
- شوفي التعليمات المكتوبة على الأدوية ، وأعطيها ماما .

جثت على ركبتيها قريباً من الطاولة ، ثم التقطت منديلاً ورقياً ، وفرشته في إحدى زواياها . شرعت تقرأ الإرشادات ، المرفقة مع كل علبة دواء ، ثم تفتحها ، وتأخذ منها ، حسب ما هو مبين في ملصق التعليمات ، وتضعه على المنديل ، حتى مرّت عليها كلها ، وأعادتها بعد ذلك إلى الكيس . أحضرت كأس ماء ، ثم جمعت الدواء في المنديل ، واتجهت إلى والدتها ، التي كانت قد استلقت على السرير ، ووضعت وسادة على وجهها :
- ماما .. الدواء ..
التفتت الأم ، بعد أن رفعت الوسادة عن وجهها ، ونظرت إليها بعينين مبللتين . مدت يدها إليها لتأخذ الدواء ، وبقايا ألم ما زالت في العينين .. تحاول أن تواريها :
- تسلمين حبيبتي ..
- أمي .. بابا يقول ، أنت طيبة ، وما فيه شيء خطير ، ليه أنت متضايقة ؟
- ما فيه شيء حبيبتي ..
- أجل ليه تبكين يا ماما .. أنت متضايقة من المستشفى ..؟

أغلقت كفها على الدواء ، ثم أغمضت عينيها وأطرقت . كانت تحبس وجعاً غير عادي ، وتتمنى لو تجد من تبوح له به . في خاطرها أن البنت صغيرة ، ولا تستوعب حديثاً عن أحوال النساء .. بهذا المستوى . كيف تفصح لها ، عن خجلها الشديد ، من كشف الطبيب عليها ؟
عندما رفعت رأسها ، كانت ابنتها ما زالت واقفة ، ممسكة كأس الماء بيدها ، وعلامات الاستفهام ، قد استولت على كـــــامل وجهها . أخذت كأس الماء منها ، وتـــناولت كومة حبوب الدواء من المنديل ، وجمعتها في كــفها ، ثم قذفتها في فمها ، وأتبعتها بجرعة ماء . وضعت الكأس بجانبها ، ولم تشأ أن تنظر في وجهها ، حتى لا تشعر بحرج من تهربها من الإجابة . أحست بها تتقدم نحوها .. ثم تقف ، وتطوق عنقها بكـــفين ، وساعدين ممدودين . رفعت رأسها ، ولما التقت نظراتهما .. فاجأتها بما لم تتوقع :
- ماما .. لمّا أكبر ، أصير دكتورة وأكشف عليك .
صرخت وضمتها :
- يا عمري يا ( عيّوش ) .. حاسة فيني ..!

انـــزاح عن صـــــدرها هم ثــــقيل ، فانفرجت أساريرها . كـــــانت تريد البوح ، أن تتـــــحدث إلى ( أحد ) . لم تظن أن عائشة الصغيرة ، قادرة على إدراك ما يعتمل في داخلها . أجلستها إلى جانبها على طرف السرير ، وانطلقت تحدثها عن حيائها من الرجال ، وشعورها بالإثم ، لإطلاع الطبيب على أجزاء من جسدها :
- أستحي يا بنيّتي ، وأحس إني أموت مئة مرّه ، قبل ما يخلص الدكتور من الكشف .
لم تعلق عائشة ، وإنما استمرت تتأمل أمها ، وتمسح وجنتيها بكفّيها .. وتكرر بين آن وآخر جملتها : " أكبر وأصير دكتورة ، وما يكشف عليك إلا أنا " . تبتسم الأم وتضمها ، لكنها لا تخفي عدم رغبتها في أن تصبح عائشة طبيبة :
- اسم الله عليك يا حبيبتي .. أخاف عليك..!

كبرت عائشة ، وبقي الحلم يكبر ، في كل مرّة يتكرر الموقف ، حينما تضطر أمها للذهاب إلى الطبيب .. وكثيراً ما حدث ذلك . حلم طفلة التاسعة ، بقي خواطر عفوية ساذجة ، تروح وتجيء ، إلى أن كان قدره أن يتعرض لصدمة ، حوّلته إلى هدف ، غير قابل للمساومة .. لفتاة أصبحت أكثر نضجاً ، وتقترب من سن الزواج ، وصارت تعرف من أمور النساء الشيء الكثير .
في مجتمع ينشئ نساءه ، على الحشمة والحياء ، وتنظر المرأة لذلك ، على أنه مقياس لقيمتها ، وسور يمنع التعدي عليها .. لم يكن صعباً أن تفـــهم ، لماذا تعاني أمها ، كل هذه المعاناة ، في كل زيارة لها .. للطبيب . إنها .. بمفهوم آخر ثقافي ، غــــير معــــلن ، تعتبر إطلاع الطبيب الرجل ، على خصوصية جسدها إنتهاكاً لمحرم ، واختراقاً لحصونها ، التي تستمد منها ، واحدة من أهم قيمها المعنوية . في مقابل القيمة الحسية ، التي تَعْمَد إلى ( تَشْيِيء ) المـــــــــرأة ، والنظر إليها ، بوصفها شـــــيئاً ( متاحاً ) ، باعثاً للّذة .. ومن ثم ابتذالها جنسياً ، يعلي الحياء والحرص على خصوصية الجسد .. من القيمة المعنوية للمرأة ، بوصفها كــــينونة بعقل .. ومنظومة قيم . صحيح أن حالة والدتها ، لا تتكرر كثيراً ، لكنها تستند إلى بيئة تربوية وثقافية .. تتفاوت النساء في تمثّلها .

كانت شابة في السابعة عشرة .. طالبة في الصف الثاني الثانوي ، حينما رافقت أمها الحامل ، برفقة والدها إلى المستشفى .. في رحلة أحدثت تحولاً عميقاً في مجرى حياتها :
- أمك تحتاج إلى مساعدة يا عائشة .. تعالي معنا . أصلّي المغرب ونمشي .. كونوا جاهزين ..

حين وصلوا المستشفى ، توجهوا لقسم الطوارئ . قصد موظف الاستقبال ، وقال أن زوجته حامل ، وتشكو من آلام شديدة ، رغم أن موعد وضعها لم يحن بعد :
- لديها ملف ..؟
- نعم ..
ثم مد يده إلى جيبه ، وأخرج بطاقة بلاستيكية ..
كانت على كــرسي متحرك . أشار إليه ، وهو يمد البطاقة .. إلى ممرضة على يمينه ، بأن يدفعها باتجاه مكتب ، يتجمع حوله عدد من الممرضات . أخذت الممرضة التي تحدث إليها ، البطاقة التي كانت تحمل اسمها ، ورقم الملف ، ومعلومات عامة عن المريض . شرعت تملأ البيانات ، في ورقة تناولتها من ملف أمامها ، وتملي في الوقـــت نفسه ، عبر الهاتف ، الذي رفعته بكتفها ، وألصقته بأذنها .. معــلومات الملف ، على شخص آخر تحادثه . أثناء ذلك ، كانت الممرضات الأخريات قد وضعنها على سرير ، في إحــــدى غرف الطوارئ ، وبدأن بأعمال الفحص الأوّلي . أبـــــو أحمد .. زوجها ، كان متوتراً ، على غير عادته ، فبادر الممرضة :
- هاه .. يا ( سستر ) ، إن شاء الله خير ..؟
- إن شاء الله .. " ممكن فيه ولادة ، بس لازم دكتور يشوف أول " .

عائشة كانت إلى جوار أمها ، حـــين لاحظت أنها انتفضت ، بمجرّد سماعها كلمة ( دكتور ) . بعفوية لا تخلو من توتر ، سحبت الأم الغطاء على بطنها المكشوف ، رغم أنه لم يكن موجوداً ، إلا زوجها وابنتها والممرضة ، التي تقيس ضغطها ، ودرجة حرارتها .. ولم تكن قد انتهت بعد ، من استكمال إجراءات الكشف . لما أرادت الممرضة أن تزيح الغطاء ، لتضع السماعة على بطنها ، أبعدت يدها ، واجترّت نفساً عميقاً .. وقالت :
- أرجوك يا ( سستر ) ، إذا خلصتِ .. أبغى دكتورة تكشف علي .

لم ترد الممرضة ، وإنما واصلت إجراءات الفحص ، وطرح الأسئلة التقليدية ، عن تاريخها المرضي ، وإذا ما كان لديها حساسية ، تجاه دواء معين . تجاهل الممرضة لطلبها ، زادها إحباطاً ، ورفع وتيرة قلقها .. فنظرت إلى زوجها بعينين منهكتين ، أثقلهما الإحراج ، والشعور بالعناء الذي تسببه له .. فعجزت عن فتحهما بكامل استدارتهما .. وقالت :
- أسألك بالله .. يا أبو أحمد ، فكّني من وجع القلب هذا ..!

أغضى .. وتنهد بصوت مكتوم ، ولم يعلّق . وقف للحظة .. ثم شد على يدها ، قبل أن يذهب . خرج من عندها ، وصار يتلفّت بحثاً عن أحد يسأله . شاهد شاباً يرتدي معطفاً أخضراً ، يناقش إحدى الممرضات في ورقة يحملها . اقترب منه ، وأخبره بحاجة زوجته لعناية عاجلة . لم يقطع الشاب حديثه مع الممرضة ، بل التفت بسرعة .. وقال وهو يشير بيده .. باتجاه أحد الأشخاص :
- كلّم الدكتور بشير ..
- وأنت ..؟
- أنا طبيب امتياز .
- يعني ..؟
لم يـــــرد عليه ، بل استمر في حديثه ، واكتفى بالإشارة إلى شخص سوداني في طرف الصالة ، عليه معطف أبيض ، ويتحلق حوله عدد من الأشخاص ، بينهم ممرضات . سأل إحدى الممرضات عن الدكتور بشير ، فأشارت إليه . أراد أن يحدثها عن حالة زوجته ، فاعتذرت وأخبرته .. أن عليه أن يتحدث مع الطبيب المسؤول في قسم الطوارئ .. الدكتور بشير . اقترب وحيّاه :
- مساء الخير دكتور ، أنا زوجتي حامل وتعبانه .. ممكن ..
- الدور جاي عليها ، دقائق فقط ، وأجيء لها .
- المشكلة يا دكتور ، إنها تريد طبيبة تكشف عليها .
- للأسف .. الليلة الدكتورة صار عندها حالة طارئة .. ومشت ، ولا يوجد في القسم عندنا ، إلا دكاترة رجال ، يكشفون على المرضى .
- والولادة ..؟ الممرضة قالت أنها ربما تكون عندها حالة ولادة مبكرة ..!
- موضوع الولادة ليس فيه مشكلة ، على حد علمي ، يوجد طبيبة ، لكن دعنا الآن نراها ، ونعرف ما هي حالتها بالضبط ، مع الدكتور فيصل ..
ثم أشار برأسه إلى طبيب ، يقف على بعد أمتار منه ، يقلب مجموعة أوراق بين يديه . يبدو الدكتور فيصل ، من ملامحه ومظهره الخارجي أنه سعودي . فرح بذلك ، وقال يحدث نفسه : دكـــتور سعودي .. سوف يتفهم موقف زوجتي ، ورفضها للأطباء الرجال .. ويقدر حالتها النفسية ، وشعورها .

عاد إلى زوجته ، وفضل أن يبدأ بإطلاعها ، على ما يظن أنه الخبر الذي سيطمئنها ويريحها . يعلم أنه لو أخبرها بعدم وجود طبيبة ، تتولى الكشف عليها ، فإن وضعها النفسي سيتدهور ، وحالتها الصحية ستزداد سوءاً . قال إنه تحدث إلى الدكتور رئيس قسم الطوارئ ، عن رغبتها في طبيبة تتولى متابعة حالتها ، وأن الدكتور أكد وجود طبيبة نساء وولادة ، سوف تتولى رعايتها ، والإشراف على الولادة .. بمجرد أن يتم تحويلها من الطوارئ إلى قسم التوليد ، بعد أن تنتهي إجراءات الكشف ، والتأكد من حالتها .. ثم أضاف ، بكثير من الاطمئنان :
- هناك أيضاً دكتور سعودي موجود في الطوارئ ، سيساعدنا لو حصل أي إشكال ..

بدت أمارات الرضا على وجهها ، ولم تنتبه لكلام زوجها ، أن من سيتولى الكشف عليها ، وينهي إجراءات فحصها .. قبل تحويلها لقسم التوليد ، دكتور وليس دكتورة . كان انتباهها مركزاً على الجزء الأول من الكلام ، الذي يتحدث عن طــــبيبة النــساء والولادة . عائشة انتبهت للأسلوب ، الذي خاطب به والدها والدتها ، ولاحظت مظاهر ارتياح اتسم بها حديثه ، وهو يتحدث عن وجود طبيب سعودي . انتبهت أيضاً للسكينة التي غمرت أمها ، بعد سماعها لكلام والدها . اختلست نظرة لوجه والدها ، الذي أدرك ما يدور في خاطرها .. فتبادلا ابتسامة ارتياح وإعجاب . هي للطريقة الذكية التي استخدمها لطمأنة أمها ، وهو لذكائها وسرعة بديهتها .

كانت الممرضة قد فرغت من إجراءات الفحص ، ودونت النتائج في بيان معها ، وعلى وشك أن تخرج ، حين دخل الدكتور بشير السوداني ، ومعه الطبيب الآخر ، الذي كان واضحاً ، من لهجته وكلامه أنه سعودي . أخذ الدكتور بشير الورقة من الممرضة ، وتحدث بلغة إنجليزية مع الطبيب الآخر ، وصارا يستعرضان المعلومات التي دونتها الممرضة . طلب الدكتور بشير من الممرضة أن تكــشف عن بطن المريضة . تمسكت أم عائشة بالشرشف ، لكن زوجها نظر إليها بعتاب .. وخاطبها بصوت خافت :
- مها ..!
طرفت عيناها من خلف النقاب ، ثم أرخت قبضتي كفيها عن الغطاء .. وتنهدت بعمق . في الوقت نفــــسه ، انحنت عائشة ووشوشت في أذن أمها بكلمات غير مسموعة ، أطلقت بعدها الشرشف ، وتركت الممرضة تقوم بواجبها .
وضع الدكتور بشير السماعة على الجزء الظاهر من بطنها ، وتحدث مع الطبيب الآخر ، الذي تناول منه السماعة ووضعها في أذنيه . أصغى لبضع ثواني ، ثم التفت إلى الدكتور بشير ، وهز رأسه موافقاً ، وعلق بعبارة واحدة . كان الحوار باللغة الإنجليزية ، فلم يفهموا شــيئاً مما دار بينهما . التفت الدكتور بشير إلى والد عائشة ، أبو أحمد وقال :
- زوجتك لديها حالة ولادة مبكرة ، وسنكتب لها إذن تنويم . الدكتور فيصل هو استشاري النساء والولادة .. سيتولى إكمال الإجراءات .. والإشراف على الولادة .

تبادل أبو أحمد نظرات سريعة مع زوجته ، التي فاجأها الخبر ، وكان خلاف ما توقعته .. فظهر الهلع في عينيها ، وأخذت تجمع الشرشف حولها بعصبية ، وتردد : لا .. لا . كان الدكتور بشير على وشك أن يخرج ، قبل أن يستوقفه زوجها ، ويقول له :
- لكني يا دكتور ذكرت لك ، أن زوجتي لديها مشكلة ، ولا تريد إلا دكتورة لتقوم بتوليدها .
- والله يا أستاذنا ، هذا ليس من اخــــتصاص الطوارئ .. كلم الدكتور فيصل .. هو المسؤول .

غادر الدكتور بشير ، فالتفت أبو أحمد إلى الدكتور فيصل ، الذي كان يرتب إجراءات التنويم مع الممرضة ، وسمع الحديث الذي دار بينه وبين الدكتور بشير .. فقال :
- دكتور فيصل ، لو سمحت ..
قبل أن يكمل كلامه ، فاجأه الدكتور فيصل ، دون أن ينظر إليه ، وهو ما زال منشغلاً مع الممرضة .. برد جاف ، وتقاطيع جامدة :
- الإجراءات تتم حسب المتوفر ..
- الدكتور بشير ، قال لي قبل وصولك بدقائق ، إن فيه طبيبة .. دكتورة .
انفعل الدكتور فيصل ، ورد بعصبية :
- يعني أنا كذاب ..؟!
- أنا ما قلت كذا ..!
واصل الدكتور فيصل انفعاله ، وبوتيرة أعلى :
- قلت .. أو ما قلت ، أزعجتونا . كل واحد يجيء لي .. أبغى دكتورة تولد زوجتي . إيش الأوادم هذي ؟ صلحوا لكم مستشفيات بمزاجكم . عاجبك نظامنا ، أو خذ زوجتك وتوكّل على الله .. الباب يوسع جمل ..!
ثم ختم ردّه الحاد ، بعبارة خافته ، حاول أن تكون غير واضحة :
- ناس متخلفة ..!
لكن يبدو أن أذن أبو أحمد ، قد التقطت الكلمة :
- يا دكتور .. هذا مستشفى حكومي ، ومن حق المواطن أن يلقى احتراماً ، وخدمة صحيحة . التخلف .. ليس التزام الإنسان بما يؤمن به ، بل معاملة الناس بهذه الطريقة .

اندفع الدكتور فيصل خارجاً من غرفة الفحص ، بعد أن أكمل بلغة غاضبة ، توجيه تعليماته للممرضة . لم تفلح في إيقافه .. عبارة : " أرجوك يا دكتور " ، التي ظل أبو أحـــمد يرددها .. أملاً في أن يستمع إليهم ، ويتفهم ظروف زوجته ، ووضعها النفسي . أراد أن يشرح له ، أنها ليست مسألة حلال أو حرام فقط ، ما يجعل زوجته ترفض الأطباء الرجال .. وهو ما فهمه ، من وصفه لهم بالتخلف .. بل بسبب حالتها النفسية . كان واضحاً أن مــــوقفه قطعي ونهائي ، لأن الممرضة ، بعد انصرافه ، جاءت وأكّدت لهم ، أن الدكتور فيصل ، طلب منها أخذ توقيعه وإقراره ، على أن من سيتولى توليد زوجته طبيب رجل ، وليس طبيبة .
أراد أن يتبعه .. ليجادله ، لكنه فضل أن يبقى ليهدئ زوجته ، التي أخذت تنتحب ، وفاض الدمع من عينيها ، حتى بلل معظم نقابها . منظر زوجته تتلوى من الألم ، وموقف الدكتور الحاد من طلبهم ، جـعله يشتعل سُخطاً وغضباً .. ولم يبقِ مجالاً للصبر ، فخرج ليلحق به . جال في قسم الطوارئ يبحث عنه ، وهو يردد بغيظ :
- أين دكتوركم المحترم ..؟

لم يجده .. وكذلك الدكتور بشير ، لم يكن موجوداً .. هو الآخر . بدأ يعلو جداله مع موظف الأمن ، الذي كان يطالبه بالهدوء .. أو سيضطر لاستدعاء الشرطة لإخراجه . زوجته وابنته كانتا تسمعانه من داخل غرفة الفحص . خشيتا عليه أن ينفعل ، فيقدم على تصرف غير محسوب :
- عائشة .. نادي على والدك بسرعة .

خرجت عائشة لتجد والدها في جدال محتدم مع رجل الأمن ، وبعض العاملين في قسم الطواريء . نادت عليه ، وأخبرته أن أمها تريده . حين دخل على زوجته ، كان وجهه محتقناً ، عليه أثار الإجهاد والغضب ، من النقاش الحاد ، والشعور بالإحباط . لم يطق الصبر على نظراتها الكسيفة ، ولا استطاع أن يديم النظر إلى وجهها الأبيض الغض ، الذي انقبض وعــصرته آلام المخاض ، وشحب .. فصار أصفر ، بعد أن امتص نضارته ، الإحساس بالعجز .. والمهانة ، من طريقة تعامل الدكتور فيــصل معهم . قال لها .. كأنما يريد أن يعيد إليها ولنفسه ، كرامة مهانة ، وإنسانية مهدرة :
- حبيبتي مها ، لا يهمك الدكتور قليل الأدب هذا . الآن نطلع ، ونروح لمستشفى خاص ، وتولّدك دكتورة .
ثم التفت إلى ابنته .. ليؤكد ما عزم عليه :
- عائشة .. هاتي عربية . أنا سأساعد ماما على النزول من السرير .
اعتدلت زوجته في جلستها ، وأمسكت بيد ابنتها ، لتمنعها من الذهاب ، وقالت .. وهي تنظر إليه ، بعيون امتلأت حباً :
- لا يا ناصر .. الله يخليك لنا . المستشفيات الخاصة تكلف كثير ، وأنا ولادتي ، يحتمل أن تكون غير طبيعية . العمليات القيصرية غالية جداً .. يفرجها ربك إن شاء الله .
ثم أضافت ، بنغمة لا تخلو من خوف :
- تذكر جيراننا أم خالد .. كيف طردهم المستشفى الحكومي ، لعدم وجود أَسِرِّة .. لأن زوجها ، ليس من منسوبي ذلك القطاع ، وراحوا لمستشفى أهلي ، وكلفتهم الولادة أكــثر من 25 ألف ريال .. ما قدروا يدفعونها ، فرفض المستشفى تسليمهم المولود ، إلا بعد شهر ، لمّا استلفوا .. ودفعوا لهم .

عائشة كانت ترقب المشهد . تتأمل صراع أمها مع الألم ، وصراعها مع نفسها .. بين رفضها أن تذهب إلى مستشفى خاص ، سوف يكلفهم فوق ما يطيقون ، وبين قبولها بأن يتولى عملية توليدها رجل ، وهو أمر فوق أن تحتمله . نغمة اليأس العميق ، بدت واضحة جداً ، وهي تعترض على اقتراح زوجــــها . جملتها الأخـــــيرة : " يفرجها ربك " ، خرجت خافتة متقطعة ، وعبّرت عن حقيقة شعورها العميق ، بالأسى والمرارة ، رغم أن ظاهر كلامها خلاف ذلك . حين أنهت عبارتها هذه ، أسبلت جفنيها ، ثم انزلقت على وسادتها ، فغاص رأسها في الوســــادة ، وهبط صدرها ، بعد أن زفرت نفساً عميقاً . بدا المشهد ، بين انغماس رأسها في الوسادة ، وهبوط صدرها .. وكأنها تهوي إلى قاع .

ألم عائشة تضاعف ، وهي تشـــاهد والدها تقسّمه الحيرة ، بين ما آلت إليه حال أمها ، بسبب موقف الدكتور فيصل ، وبين رغبته في أن يساعدها ، للخروج من هذا الوضع ، بنقلها إلى مستشفى خاص ، رغم ضعف إمكاناته المادية . انتبهت إلى أن حيرته تضاعفت ، بعد رواية أمها لقصة أم خالد . تسترجع المشهد لبضع دقائق مضت ، حين كــــان والدها ، يشرق وجهه بالأمل ، وتكسو محيّاه علامات الارتياح ، لوجود طبيب سعودي . تلحظ الآن ، شعوراً بالمرارة ، يجعله يوالي ارتشاف الماء ، من زجاجة مياه صحية لم تفارق يده ، منذ أن تجادل مع العاملين في قسم الطوارئ ، حول موقف الدكتور فيصل . سمعته يردد في جداله معهم : " تصوّروا .. يصفنا بالتخلف ، لأن زوجتي امرأة تستحي ، وتراقب ربها ، ولا تريد أن يقوم بتوليدها .. إلا طبيبة . هل يعقل أن يكون هذا الدكتور وأمثاله ، من نفس مجتمعنا ، ويدينون بدينه ..؟ " . أحست أن صدمتها من تعامل الطبيب ، وخيبة أمل والدها به ، أشد أذى على نفسها ، مما اعترى والدتها من انزعاج ، لعدم وجود طبيبة تـــتولى توليدها .
هــذا المــوقف ليس الأول ، الذي يصدمها فيه تعامل بعض السعوديين . العام الماضي ، روت لها زوجة خالها ، التي كانت عائدة من رحلة خارجية ، موقف راكب سعودي ، رفض أن يتنازل لهم عن مكانه ، ليلتئم شمل الأسرة ، وتبرع بذلك شخص هندي . تتذكر أن زوجة خالها ، قالت بسخرية ، تعليقاً على ذلك الموقف : " لا .. وبعد ، لابس قميص ( تي شيرت ) ، كاتب عليه : ارفــع رأسك .. أنت سعودي . على ويش ..؟ على زين الطبائع ..! " .
ابتسمت في سرها ، إذْ صادف تعليق زوجة خالها ، قناعة داخلية لديها ، بأن هذا الشعار ، ينطوي على إحساس مزيف بالتفوق .. ولا يخلو من نبرة عنصرية ، تكرّس فوقية فارغة .

استغرقت في التفكير ، تتأمل والديها الموزعين بين عناءين : الرهاب النفسي لوالدتها من الأطباء الذكور ، وعجز والدها عن تحقيق رغبة أمها . مادياً .. بسبب ضيق ذات اليد ، ومعنوياً بسبب صلف الدكتور وعجرفته . عادت بها الذاكرة إلى سنوات مضت ، إلى حلم صغير لابنة التاسعة . أمنية طفلة باحت بها .. في لحظة براءة ، لأم اشتكت إلى ربها .. في خلوتها ، عجزها ، وقلة حيلتها . كادت أن تفلت منها ابــــــتسامة ، في أجـــــــواء الأسى هذه ، حــــــــــين تذكرت قولتها القديمة لأمها : " ماما .. لما أكبر أصير دكتورة ، وأكشف عليك " . أحست أن هذه الأمنية ، صارت أكثر إلحاحاً .. الآن ، لتكون حقيقة . شريط الذكريات انقطع فجأة ، على صوت ممرضة تزيح ستارة غرفة الفحص ، وهي تدفع سريراً بعجلات .. وتقول :
- " يا الله ماما ، نروح القسم ، فيه تنويم " .

تناظروا فيما بينهم . الأب لزم الصمت ، أما عائشة فاصطنعت ابتسامة ، لتشجع والدتها على النهوض ، وصارت تهز رأسها ، وتشير إلى السرير الذي تمسك به الممرضة . أدركت والدة عائشة أن صمت زوجها ، ينطوي على موافقة ضمنية على رأي ابنتها .. بالاستجابة للممرضة . أصلحت من ملابسها ، ونهضت واستقرت على السرير .
دفعت الممرضة السرير باتجاه باب خشبي من درفتين ، لونه أزرق فاتح ، بمستطيل زجاجي .. يمتد عمودياً وسط كل درفة . من خلال الزجاج ، يبدو ممر طويل ، يلمع بلاط أرضيته البلاستيكية ، من شدة النظافة . حين انطبقت درفتا الباب ، لحظة تجاوزوه .. اختنقت الأصوات ، التي كانت تملأ قسم الطوارئ ، فخيّم الهدوء ، إلاّ من وقع أقدام ، لرجل يسرع الخطو ، في آخر الممر .
نحيب أم أحمد المتقطع ، صار هو الأعلى ، مع ابتعاد وقع خطوات الرجل . صار صوتها كذلك ، يرتفع احتجاجاً ، فيدوي في المكان.. معترضة على ذهابها لقسم الولادة . الممرضة التي يبدو أنها قد تأثرت بحالتها النفسية ، وشاهدت انفعال الدكتور فيصل في حديثه معهم ، أشفقت عليها ، وسعت لتهدئتها .. بعــــبارات من نوع : " ماما .. ليش فيه خوف .. كله بسيط ، هذا فيه بنج ، ما فيه ألم . إن شاء الله .. الله يخلي ولادة طبيعي " .

كانت الممرضة ، أثناء حديثها مع أم أحمد ، تربّت على كتفها بهدوء ، أو تضع كفها على جبينها . حديثها اللطيف ، ولمساتها الحانية ، جذبت انتباه عائشة ، فاختلست نظرة إلى بطاقتها الشخصية ، المعلقة على صدر معطفها . استطاعت أن تلتقط اسمها الأول : روزماري . أثار الاسم فضولها :
- ( سستر ) .. أنتِ من أندونيسيا ..؟
ردّت بابتسامة :
- " لا ... أنا فلبين " .
فاجأها الرد . كأنما كانت تتمنى أن تكون من أندونيسيا ، رغم أن ملامحها ، واسمها لا يدلان على ذلك . في ذهنها .. ارتبطت اندونيسيا بالإسلام ، والفلبين بالمسيحية . همست لنفسها : " من الفـــلبين .. ليست مسلمة ، تعاملها طيب ، يا الله .. خسارة " .
أبقت في نفسها أملاً .. أن تكون من مسلمي الفلبين ، لكنها استحت أن تسألها عن دينــها ، وأحست بحاجز نفسي ، انتصب بينهما ، يمنعها من استمرار التواصل معها .. حين داخلها شك بأنها مسيحية . لا تدري لماذا ينتابها مثل هذا الشعور .. مع غير المسلمين ، رغم أنها ، ليست المرّة الأولى ، التي تقــابل فيها شخصاً غير مسلم ، بأخلاق حسنة . كما أنها .. تصادف حالات كثيرة ، لا يكون تعامل المسلمين فيها جيداً . هذا الوضع ، سبب لها إرباكاً ، وشعوراً بالإحباط . إنها حاجتنا أن ننسجم مع إيماننا وقناعاتنا ، وأن ننفر من التناقض : أليس التعامل الحسن ، خلقاً إسلامياً ؟ .

كانت سارحة ، تقلب في ذهنها معنى اسمها : ( روزماري ) .. وتود لو سألتها ماذا يعــــــني . ربما يفصح ذلــــــك عن دينها .. الذي ما زالت في شك منه ، وقد يفسر لها .. كما تعتقد ، علاقة ذلك ، بسلوكها اللطيف .. دون أن تتعرض لحرج السؤال المباشر . عزّت نفسها بخاطر آخـر : " حتى لو لم تكن مسلمة .. تعاملها طيب " . قطعت عليها الممرضة أفكارها ، حين بادرتها :
- " ليه ماما .. فيه خوف من ولادة " ..؟
- " لا .. ماما ما فيه خوف . ماما ما تبغى دكتور رجال يسوّي ولادة " .
فتحت عينيها بدهشة .. وقالت :
- " بَسْ ..! ما فيه مشكلة ، أنا أكلم دكتورة " .

كانوا عند مدخل قسم الولادة .. ووضع أم أحمد النفسي قد ازداد سوءاً ، حين طلبت منهم الانتظار ، لتتولى بحث الأمر . عائشة ووالدها التزموا الصمت ، لكن والدتها ، صارت تلهج بالدعاء لها بالجنة ..! سحبت الممرضة الملف ، المعلق بذراع السرير المعدني ، وأسرعت إلى مكتب رئيسة جهاز التمريض .
أبو أحمد علق مازحاً .. ليخفف عنها ، ويضفي جواً من المرح :
- تدعين لها من قلب .. يا أم أحمد ، تراها مسيحية .. كأنك تغيرت ..!
لم ترد .. لكنه أضاف باسماً :
- أيّام إعصار ( كاترينا ) ، لما كنت تدعين على الأمريكان ، بالموت والغرق ، كنت لما أقول لك : مساكين .. ما لهم علاقة بــ ( بوش ) وحكومته الملاعين ، قلت لي : خلهم .. كفار ، يستاهلون ..!
- الأمريكان يكرهوننا .. أنت ناسي إني ما دعيت عليهم ، لأنهم كفار ، لكن لأنهم يسجنون الشباب السعوديين في غوانتانامو .. ويقتلونهم ، ثم يقولون إنهم انتحروا .. وبعدين الممرضة هذي طيبة .. ما علي منها ، دينها لها ، أنا يهمني التعامل الطيب !
استمر في مشاكستها ، بأسلوب ، لا يخلو من الدعابة والاستفزاز :
- ما شاء الله .. هذا شيء جديد ..!
- لا .. أنا سمعت الشيخ في صلاة التراويح .. في رمضان ، يقول إن الإسلام يأمر بالإحسان ، والتعامل الطيب مع الكفار ، الذين لا يأتي منهم ضرر أو أذى .
- الله يجعلها سبب خير ..

أقـــبلت الممرضة تحمل الملف معها . كانت تمشي بسكينة ، دون انفعالات ظاهرة على وجهها . حين اقتربت ، قالت بهدوء .. وهي تعيد الملف إلى مكانه :
- " خلاص ماما .. ما فيه دكتور رجّال ، دكتورة ميمونة يسوّي ولادة " .
صرخت أم أحمد من المفاجأة ، وصارت تردد : " يا بعد عمري ، يا بعد عمري " ، ثم التفتت إلى ابنتها :
- إيش اسمها يا ( عيّوش ) ..؟
- روزماري ..
- يا بعد عمري يا روز ..

ابتسمت الممرضة ، وهي تدفع السرير إلى داخل القسم .. من رد فعلها الشديد . كانت تراقب أم أحمد ، وقد تحول وجهها من قطعة أسى مغموسة بالدمع ، إلى مساحة من البهجة . يتطاير الفرح من كل قسماته ، وتومض في وسطه ابتسامة ، افتر عنها ثغرها المرصع بثناياها البيض .. المتراصة بانتظام . أدركت أن هذه الفرحة الكبيرة ، كانت بسبب ما قامت به ، من أجل أن تتولى توليدها طبيبة . لم تزد على أن ابتسمت ابتسامة خفيفة ، ورمقتها بنظرة رضا ، ثم طلبت من زوجها أبي أحمد ، أن يبقى في غرفة انتـــظار جانبية ، لأنه ليس مسموحاً للرجال ، من غير العاملين ، بتـــجاوز هـــذه المنطقة .
فرحة أم أحمد ، بما فعلته الممرضة من أجلها ، لم تقف عند حـــــــــد الدعاء لها ، والتعبير عن شكرها العميق ، لما قامت به .. أو حتى القبلة العنيفة ، التي طبعتها على خدها . ثمة امتنان يتوارى في اللاوعي ، ترغب في ترجمته إلى ســـلوك واعي .. قـــــالت لعائشة :
- اسأليها .. عن معنى اسمها . إن الله رزقني بنيّة ، لأسميها عليها .
ضحكت عائشة ، ونقلت للممرضة ، التي كانت تجهز سرير التنويم .. ما تقوله أمها . ابتسمت الممرضة ابتسامة عريضة وقالت ببهجة واضحة :
- " روزماري .. أووه هذا ( كريستيان نيم ) ..!

لم تكن لغة عائشة الإنجليزية .. تسعفها ، لتفهم ماذا تقصد ، وكانت على وشك أن تسألها توضيحاً لكلامها ، عندما دخلت امرأة منقبة ، ترتدي معطفاً أبيضاً . فهمت عائشة ووالدتها ، من مخاطبة الممرضة لها بالدكتورة ، أنها قد تكون طبيبة من قسم الولادة . عرفت بنفسها :
- أنا الدكتورة ميمونة .. مناوبة الليلة في قسم الولادة .. أنت ستكونين مريضتي وتحت متابعتي .
- يعني أنتِ التي ستولّدينني يا دكتورة ..؟
- نعم .. الدكتور عبد العزيز ، كبــــير الأطباء ، كان في الطوارئ ، وأتصل بي ، وطلب مني أن تكوني مريضتي .. كأنه ألمح إلى وجود مشكلة .
خجلت أن تتحدث عن حالتها .. ولم ترد . نظرت عائشة إلى أمها ، تستأذنها بالــكلام :
- أمي يا دكتورة ، عندها مشكلة مع الأطباء الرجال . حالتها النفسية تسوء ، إذا كشف عليها طبيب . كانت على وشك أن تنهار ، لمّا رفض طبيب في الطوارئ اسمه فيصل ، أن تتولى توليدها دكتورة ، وقال ما فيه طبيبات ..
- حصل خير . الممرضة روز شرحت حالتها لرئيسة الممرضات في القسم ، وهي بدورها اتصلت على الطوارئ ، وصادف وجود كبير الأطباء ، مع الدكتور بشير ، وتم تكليفي بمتابعة حالتها .
قاطعت الأم ، وسألت بلهفة :
- يعني أكيد يا دكتورة .. دكتور فيصل هذا ما له علاقة ..؟
- الدكتور عبد العزيز ، كبير الأطباء ، هو صاحب القرار .. وهو إنسان رائع ، ومن خيرة الأطباء السعوديين .. ويتفهم مثل هذه الحالات .

أخبرتهم الطبيبة أن دلالات الفحص الأولى ، تشير إلى أن الولادة لن تكون طبيعية ، وأنها قد تحتاج إلى عملية قيصرية ، خاصة وأن الأشعة فوق الصوتية تبيّن ، ولكن بشكل غير مؤكد ، أنها قد تكون حاملاً بتوأم . ثم أضافت ، موجهة الحديث لعائشة :
- قد تتأخر ولادتــــها عدة ساعات .. ستكون تحت المراقبة ، ولن تكون بحاجة لمرافق . خذي من الممرضة رقم هاتف القسم ، ورقم التحويلة .. واتصلوا في الصباح للاطمئنان ، وعندما يحين موعد الزيارة بعد الظهر ، تستطيعون الحضور .

عادت عائشة ووالدها إلى البيت . حينما رجعت الظهر من المدرسة ، كان الخبر السار بانتظارها . في غرفتها وجدت على وسادتها رسالة من والدها : ورقة بيضاء ، رسم عليها شكلاً لوجه يبتسم ، وتحته كتب هذه العبارة : " انضم اليوم عضوان إلى ( قبيلتنا ) " . فهمت الرسالة : أمها ولدت توأم . هذه واحدة من دعابات والدها ، الذي قال مرّة ، لما ذهبوا إلى أحد المطاعم ، ولم يجدوا مقاعد كافية لجميع أفراد العائلة .. أنه في المستقبل ، سوف يـــفتح مطعماً ، ويغير قــــسم العائلات ، إلى قسم ( القبائل ) .
لم تسعها الفـــرحة . أخذت تقفز ، وتدور حول نفسها .. وتدندن . اتجهت إلى الهاتف ، واتصلت بالمستشفى . جاءها الرد ، فطلبت التحويلة .. ثم تتابع الرنين عدة مرات ، دون إجابة . كررت الاتصال أكثر من مرّة ، وفي المرّة الرابعة ، سمعت صوتاً مختلفاً على الطرف الآخر .. سألت :
- ممكن أكلم أم أحمد ..؟
- فيه واحدة في السرير الثاني .. اسمها مها ، هل هي التي تقصدين ..؟
- نعم ..
- نائمة ..!

أغلقت الخط ، واستبد بها قلق . أخذت تحدث نفسها .. مترددة : هل تتصل بوالدها ، أو تنتظر وصوله ؟ لا تدري هل هو الخوف على أمها ، أم الفضول .. هو ما يلح عليها بالاتصال . لم يطل ترددها ، فالتقطت جوالها واتصلت . فوجئت بأنه مغلق . نظرت إلى ساعتها ، وقالت .. وهي تهز رأسها : " وقت الصلاة " . اعتاد والــدها أن يغلق جوّاله ، وقت الصلاة . رأت أن تنتهزها فرصة ، لتغير ملابس المدرسة ، وتصلي .. ثم تعاود الاتصال بوالدها . سيكون وقتها ، قد