
سحمي الهاجري
شغل (التكفير) حيزا من جلسة جماعة حوار التي انعقدت في نادي جدة الأدبي مساء أول من أمس ضمن محورها هذا الموسم (الآخر في الرواية المحلية)، حيث انفعل الكاتب عبد الله فراج الشريف حيال مداخلة الكاتب طاهر الزهراني التي تعرضت لمسألة كون التكفير ليس مرتبطا بمنطقة أو ديانة معينة وأنه كان "موجودا حتى في الحجاز" حسب تعبيره.
وقال الشريف في مداخلته التي وصفها رئيس جماعة حوار الدكتور حسن النعمي بالعميقة والرائعة: إن التكفير لم يكن معروفا في منطقة الحجاز , مستشهدا بتجربته في حلقات الدرس بالحرم المكي حين كان العلماء يكنون كل الاحترام لمخالفيهم.
وكانوا ـ حسب قول الشريف ـ لا يتورعون في ذكر أقوال مخالفيهم وأدلتهم بوضوح واستفاضة قبل الشروع في الرد عليهم.
وكان الباحث والناقد سحمي الهاجري قد أثار مسألة التكفير في ورقته التي حملت عنوان (استدخال الآخر.. رواية البحريات مثالا) مستندا إلى موقف إحدى بطلات الرواية قائلا (وصم بهيجة بالكفر ومثلها أنجريد الألمانية، يحيل إلى فكرة تقليدية طالما رددها الباحثون، حول النظرة إلى الآخر، تقوم على تقسيمة ثلاثية الأبعاد، لكل بعد منها جذوره وامتداداته في تاريخ الممارسة البشرية). وأوضح الهاجري في ورقته أن البعد الأول يحمل صورة مثالية تقوم على استحضار البعد الإنساني المفعم بنشدان العدالة، وروحية التفهم والتعاطف، ونشأت منذ القدم بوضع قوة القيم الأخلاقية في مواجهة القوة المادية المجردة. والصورة الثانية إقصائية تنسب عادة إلى طبيعة خطاب الأصوليات المغلقة التي تحاول الجمع بين القوتين معا، الأخلاقية والمادية لتضمن سطوة مطلقة تمكنها من احتكار السلطة وإلغاء الآخر.
أما الثالثة فهي تفاعلية تحكمها عوامل الواقع ومقتضيات التحولات الاجتماعية على مدى حركة التاريخ الإنساني.
وخلص الهاجري إلى أن التركيز على واحد من هذه الأبعاد الثلاثة لا يلغي جوهرية التداخل بينها، بقدر ما يظل مجرد اقتراح إجرائي، ما يعني أن الإشكالية معقدة ومتداخلة بطبيعتها بدرجة تعقيد وتداخل أسئلة الكون والوجود.
غير أن الهاجري استدرك مشددا على أن البعد الثالث هو الإطار العام للحكاية، مشيرا إلى أنه إذا كان استدخال الآخر جزءا من حقائق الواقع بمنطق التحولات فإنه ينطوي على قدر كبير من الألم الممض على مستوى النماذج الإنسانية، لأنه يقوم على نوع من المحو المتدرج للذاتية الفردية.
وبينما لفت الشريف في مداخلته الانتباه إلى أن الروايات التي ظهرت في السنوات الأخيرة خاصة المكتوبة بأقلام نسائية تكمن أهميتها في أنها تكشف لنا كمجتمع حقائق كثيرة كنا غافلين عنها ومنها ما يتعلق بأسرار البيوت والمسكوت عنه، وهذه نقطة إيجابية تسجل لصالح الرواية المحلية، اعتبرت الدكتورة فاطمة إلياس في ورقتها المعنونة بـ(البحريات قراءة من منظور التحليل النفسي لتمثلات الآخر) الرواية "صك انتصار لكل بحرية ".
كما أنها ـ بحسب رؤية إلياس ـ تعري الموقف من الآخر من خلال العلاقات المتأزمة والمتأرجحة بين القبول والرفض بين البحريات وشخصيات البيئة الطاردة، وكذلك إشكالية التعايش وجدلية الاندماج والاختلاف التي برعت الكتابة ـ كما قالت إلياس ـ في تصويرها بسلاسة عذبة وانسيابية هي أقرب لانسيابية مياه البحر وتدفق أمواجه المتوسطية. إلياس أشارت كذلك إلى أن المكان شكل آخر متخيل في الروية وهو المكان الصحراوي الذي ما فتئت البحريات بهيجة وسعاد في ترويضه وكسب مودته واصفة ذلك بأنها محاولات لأنسنة المكان وجعله مألوفا، ذاكرة أن الرواية ملأى بهذه الملامح التي واكبت غربة البحريات وتعكس استجابتهن لانغلاق المكان.
ورواية" البحريات " صدرت عام 2006 للكاتبة السعودية أميمة الخميس.