
في الوقت الذي يتردد فيه طرح معين يراهن فيه متبنيه على اقتراب زمن انقراض الكتاب، وإفساحه الطريق لوسائل العصر كي تكون هي بوابة المعرفة، تتردد فيه طروحات مضادة تراهن على بقاء الكتاب وعاء أول تغترف منه البشرية المعرفة. لكن ما حال الكتاب في السعودية؟ وكيف سيكون مصيره، إن كان حتى من قبل عصر الميديا الحديثة يعيش معاناة طويلة أولها عدم تجذر القراءة في المجتمع كطقس يومي. وفي ظل ثقافة السوق وتنامي النمط الاستهلاكي، هل يكون من الضروري للكتاب أن ينخرط في التيار، كي يكون سلعة يروج لها على نحو ما هو موجود ومستقر في المجتمعات الغربية منذ سنوات طويلة؟
الناقد محمد العباس يقبض على المسألة من طرف هذا التقليد الغربي، ذاهبا إلى: أن الترويج للكتاب شعيرة ثقافية اقتصادية تبدو صاعدة في مشهدنا، ولكنها في مجتمعات أخرى كانت وما زالت تقليداً معترفاً به، كما تتقن أداءه مؤسسة "دبليو اتش سميث" مثلاً كخدمات لما بعد النشر، تضمن للكاتب والناشر وضع كتابه في قائمة كتاب الأسبوع، مثلها مثل مؤسسة "ووترستون" التي تدرج الكتاب في قائمة كتاب الشهر، وهكذا.
ومقابل هذا الإفراط في التسليع والترويج هنالك قراءات واعية ومنابر ذات سمعة ومكانة.
ولا ينكر العباس حضور ذات الفعل في مشهدنا المحلي ولكن يصفه بقوله: في مشهدنا العملية الترويجية حاضرة بقوة الآن، ولكن من خلال ذوات مهووسة بالشهرة لا بجوهر العملية الإبداعية، نتيجة وجود حلقة مفرغة يتواطأ فيها الناشر المافياوي، وأشباه المثقفين، والإعلام اليومي المستعجل. أما ما يفترض أن يكون فهو مخالف لما يحدث، بمعنى ضرورة وجود بنية متكاملة لخلق بيئة ترويجية للكتاب الجيد، أو على الأقل التأسيس لدليل حقيقي ومعياري عن الكتاب المحلي.
يتقاطع الكاتب عبد الله التعزي مع العباس ويرى أن ترويج الكتب عملية تسويقية شبه معدومة في المجتمع الاقتصادي، وفق ما يسميه ويعتبره انعكاسا للمجتمع بصورة عامة، ويضيف التعزي: هذه العملية التسويقية عادة تبنى على مدى ما يهتم به المجتمع من أمور وبما أن الكتاب قد مورست عليه ألوان من الممنوعات وشنت ضده حروب نفسية في المدارس والمعاهد والجامعات مما جعل العملية المعرفية في المجتمع السعودي دائما ما تتم بعيدا عن الكتاب إلا في حالة الدراسة التي يُرمى بعدها الكتاب قبل الخروج من الباب، لذلك فإن ترويج الكتاب يعتبر استثمارا فاشلا في مجتمع لا يقرأ (بصورة عامة) بل ويعتبر معظم أفراد المجتمع أن الحصول على الشهادة هو نهاية قراءة الكتب في حياتهم.
وهنا تؤكد القاصة التي تخصصت في أدب الطفل أروى خميس أن المجتمع يحتاج لممارسة ثقافة ترويج الكتاب أكثر بكثير من ترويج أي إعلان عن مستحضر أو منتج جديد، وتضيف: المجتمع ما يزال "طفلاً" في موضوع القراءة والتعامل مع الكتب.. ويحتاج للكثير من الدفع بل والضغط أحياناً.
بالطبع الكتاب سلعة، وهذه أفضل طريقة لنشر الثقافة ومفهوم القراءة.. انظر للأمر بنظرة "بزنس" ضع له أموالاً.. ودعاية.. وتسويق.. كي يصل إلى أكبر عدد ممكن، هكذا يعامل الكتاب في الخارج.. وهكذا يقرأ الناس ويكسب أصحاب دور النشر والمكتبات ويصبح الكتاب من الأغنياء.
وبغض النظر عن تحقيق الثراء من عدمه، تنطلق رؤية العباس نحو احتياج المجتمع للترويج للكتاب من أن هنالك ضرورة ماسة لهذا النشاط، للتعريف بطبيعة المنجز الثقافي والذوات التي تنتجه، ويفترض أن يشترك فيها الجميع.
ويتابع العباس: أتحدث هنا عن ذوات معرفية تطالع الكتب بشكل دائم وتقدمه للقارئ، كما يحدث في الدوائر المتقدمة. وبالتأكيد سينتج عن مثل هذه المقروئيات الواعية صيغة من صيغ التداول الراقي مع الكتاب، وإنتاج قيمة ثقافية تتجاوز مهرجانية التوقيع الاحتفالي على الإصدارات، والتهليل الإعلامي المجاني، إلى احتدام بالمضامين والقيم الجمالية، ومن خلال هذا الطرح سيتم استظهار دليل للكتاب الجيد بما يحتويه من تعريف بالأسماء والذوات المبدعة.
دور المكتبات واللوحات الدعائية
ولأن المبدأ في علم الإعلام يفصل بين الدعاية باعتبارها مجانية، وبين الإعلان باعتباره مدفوع الثمن، ترى أروى خميس أنه لابد من الجمع بين الاثنين وتوضح قائلة: دور النشر والمكتبات عليها أن تدفع أموالاً مقابل الدعاية لكتبها، والهيئات الثقافية والخيرية، تعلن وتروج للكتاب بشكل مجاني، الكتاب هو المنتج الوحيد أو السلعة الوحيدة التي يمكن أن تكون "مادية فكرية" وكل يعمل من موقعه. والمفترض أن يكون من البدهيات لدى المكتبات الكبرى وضع لوحات دعائية للكتاب.بل أكثر من ذلك عليها، أن تقوم بعمل دعاية وتركيز على: الكتب الصادرة حديثاً.. الكتب الأكثر مبيعاً.. الكتب الحاصلة على جوائز، إعلان عن توقيع كتاب، أو الالتقاء بالكاتب في ساعة معينة في المكتبة مثلاً... وغير ذلك من الأفكار التي يمكن أن تفيد جميع الأطراف.
وتؤصل الكاتبة أميمة الخميس للمسألة ذاكرة أنه منذ مطبعة (غوتنبرغ) تجاوز الكتاب مواقعه القديمة عندما كان مقتنى نخبوياً مقدساً وغامضاً لا يمتلكه إلا الخاصة، فالمطبعة أسهمت في تعميم المعرفة، وبالتالي كسرت القوالب التي كانت تقولب الكتب، وأصبحت تجسر على الدخول في الكثير من المؤسسات وأيضا المنازل، ومن هناك ابتدأ التأسيس لتوزيع السلطة المعرفية، فلم تعد مقصورة على النخبة، فمطبعة غوتنبرغ هي التي أسست لفعل ديموقراطي معرفي شمل العالم، ومن هناك ابتدأ الكتاب يتحول إلى شكله السلعي، مع دخول عوالم اقتصاديات المعرفة، بحيث أصبحت المعرفة قيمة سلعية قابلة للتداول. ومن هنا دخل الكتاب السوق كقيمة استهلاكية هامة.
وأي سلعة تصبح قابلة للترويج لها والبحث عن منافذ جيدة للبيع، ومع الأسف أن هذه الثقافة غائبة بالنسبة لمجتمعنا المحلي، الذي يبرز فيه احتياج كبير لترويج الكتاب، ففي ظل تعدد مصادر المعرفة المرئية والمسموعة، يكابد الكتاب حالة ازدحام من حوله، تمنعه أن يسير طريقا سلسة بينه وبين المتلقي ولنسمه (طالب الخدمة) وبالتالي لابد أن ترفد هذه الرحلة بالمزيد من الأضواء التي تأخذه نحو المتلقي المتخم، وآن الأوان للتعامل مع الكتاب وفق حرفية تسويقية قادرة على تعميم الكتاب ولفت الأنظار إليه.
ولا يختلف الكاتب طاهر الزهراني الذي ترجمت روايته (جانجي) التي لم توزع لأسباب رقابية إلى اللغة الإنجليزية بواسطة الدكتور أبو بكر باقادر، في رؤيته للمسألة من بعدها الاقتصادي، حيث يعتقد أن ترويج الكتاب ثقافة تسويقية بدأت في الظهور في الساحة الثقافية المحلية بشكل ضئيل جداً بخلاف الدول المتقدمة، ويستدل الزهراني على تأخرنا بقوله: لم نعرف ما يسمى بحفلات التوقيع إلا متأخراً وبالتحديد في السنوات الثلاث الأخيرة وهي بشكل أو بآخر طريقة ترويجية أكثر من كونها احتفاء! وإذا كان الكتاب هو مصدر المعرفة القديم ومازال فهو أولى بالترويج من أي شيء آخر. المشكلة أن الكتاب عند شريحة من المجتمع تتمثل في الناشرين وأصحاب المكتبات هو مجرد سلعة تحقق مكاسب تجارية دون الاهتمام بقيمة المادة المنشورة!
بينما للعباس رؤية تعتبر الكتاب منتجا في نهاية الأمر، وجودته هي التي تحدد قيمته كما يفترض، ولكن كما أن هنالك سلعاً مغشوشة، يوجد كتاب مغشوش، حتى أكذوبة الكتب الأكثر مبيعاً، ليست سوى لعبة تسليعية، وللأسف تم إتقانها بسرعة وخبث وكثافة في مشهدنا. ولا سبيل لضبط هذه المنتجات المعطوبة، التي يفوق ضررها أحياناً خطر المخدرات، إلا بتوفير البديل، الجيد، النوعي، الجمالي، وإن كانت العملة السيئة قادرة دائماً على طرد العملة الجيدة بما تمتلكه من حيل وأساليب غير شريفة.
ولا تخفي أروى خميس التي أقامت دار (كادي ورمادي) لكتابها (بالونتي) مساء الخميس الماضي احتفالية مميزة حضرها جمع من الأسر مصحوبين بأطفالهم في أحد مولات جدة، لا تخفي حسرتها وهي تقول:
في بلدي.. لم أجد دعاية لأي نوع من الكتب..!! وتتساءل:
لست أعلم كيف يمكن أن تكون هناك دعاية للكتب في ظل رقابة غريبة.. تمنع أحياناً بعض الكتب وتجد أحياناً كتباً أخرى يصدمك وجودها على أرفف المكتبات!.
غير أن الكاتب صلاح القرشي صاحب رواية (بنت الجبل) التي نشرت في الداخل يذكر أنه في معرض الكتاب الأخير في الرياض لاحظ أن بعض دور النشر تقوم بعمل لوحات كبيرة للترويج لبعض الإصدارات، ويصف هذا الأمر بالجيد جدا، مطالبا بوجوب أن يتوسع ليخرج من معارض الكتب إلى الناس في الطرق والأسواق والأماكن العامة.
لافتا إلى أن حرمان الكتاب الإبداعي والعلمي من الترويج هو نتاج النظرة القاصرة نحو عملية الترويج سواء من الكتّاب أو من دور النشر.
ويتابع: لكي تروج لسلعة ما لا بد أن يكون هنالك هدف ربحي، لابد أن تسعى دور النشر إلى الكسب من خلال زيادة التوزيع وليس مجرد قبض الثمن من الكاتب, وهنا نلاحظ أن بعض عمليات الترويج المؤدلجة كما تسميها تتسيد الساحة والسبب هو أنها ممولة, فعملية الترويج تتطلب مالا لكي تكون ناجحة وهذا هو ما ينقص الكتاب الإبداعي فلا المؤلف لديه القدرة أو الرغبة للدفع مقابل الترويج ولا دار النشر تقوم بهذا الأمر.
والسؤال هنا هل يمكن للكتاب أن يغطي تكاليف الإعلان عنه؟
أعتقد أن الإجابة هي نعم.
الكتاب يمكن له أن يحقق أرباحا جيدة و توزيعا يغطي تكاليف ترويجه ويزيد, وهذا الأمر لا يحتاج لتأكيد أو مثال أكبر مما نراه يحدث في معارض الكتب وآخرها معرض الرياض حيث تجني بعض دور النشر العربية أرباحا قياسية بالنسبة لمشاركتها في أماكن أخرى وهذا يعني أن هناك قراء ومهتمين، يعني أن هناك بلغة التجارة سوقا مهما وحيويا وكبيرا.. وما ينقص فقط هو أن تكون عملية الترويج متماشية مع العصر سواء من خلال الإعلام أو الإعلان.
العامل الأيديولوجي للمسألة
لا يوجد شيء بدون ثمن، يواصل العباس تفكيكه للمسألة مشيرا إلى أن مفهوم القيمة المضافة المستجلب من الاقتصاد، فرض شروطه بقوة على المسألة الإبداعية تحت مسمى الإعلان، خصوصا مع وجود بنية هشة استهلاكية تستجيب للمعروض ولا تكلف نفسها عناء البحث عن الجيد، حتى الدعاية كمفهوم سياسي تم توظيفه داخل الكرنفال الإعلاني.
ولا يشك القرشي في أن الكتاب سلعة, وكلمة سلعة كما يقول ليست معيبة هنا كما قد يخطر في أذهان بعض المثقفين, لكن المشكلة تكمن في نظري أن السلع الأخرى يسعى منتجها إلى أن تصل لأكبر قاعدة استهلاكية فيما الكتاب لا ينال مثل هذه الميزة، فالمؤلف يكتفي عادة بإيصاله إلى دائرة صغيرة ومحدودة من المهتمين ودار النشر غالبا كما قلت لا تتعامل مع مسألة التوزيع باهتمام أو حرفية أو رغبة أحيانا في إيصال الكتاب للناس.
لكن المراقبين يرون أحيانا ثمة ترويجا لكتب بعينها، مشيرين إلى التباس أيديولوجي في عملية الترويج هذه، وهو ما يدعو محمد العباس إلى القول:
إذا ما نظرنا إلى لا حيادية الكتاب أصلاً، فهو موجه، ومؤدلج في الأساس، يمكن تفهم الآلية التي يتم من خلالها استثمار منحنياته ومضامينه الجمالية والفكرية، فالقوى الدينية لها رهاناتها الكفيلة باستثمار هذا البعد، وكذلك الفئات الليبرالية، إلى آخر المنظومة التي تقع كلها تحت وطأة الناشر، الذي لا عقيدة له إلا المال، تحت ذرائع التنوير، ومحو الأمية، إلى آخر الدعاوى المستهلكة.
في حين ترى أميمة الخميس كاتبة رواية (البحريات) أن الأيديولوجيا ترتبط دائما بالجماهير وتسعى لهم، لذا يكون الزعيق بها ومن خلالها مرتفعا، حتى في الدول التي لديها أسقف عالية جدا من الحرية، (الأكثر مبيعا) لا تدل دوما على جودة الكتاب ولكن المراجعات النقدية في لا صحف، والتزام النقاد والمهتمين إزاء واجبهم في هذا المجال من الممكن أن يقوم بعملية فرز معقولة للمتابعين.
أما الزهراني فيقول: أنا مع الترويج إلا في حالة أن يكون ما يروج له لا يستحق، إن الترويج للكتب السيئة والرخيصة هو استخفاف بعقول الناس، وما أقبح أن يستخف بعقول الناس.
ولا خوف على الكتب الإبداعية والعلمية الجيدة وهي أولى من غيرها في الترويج ولكن الترويج لا يعني لها شيئاً البتة، إن الكتاب القيم يفرض نفسه على الجميع!
ما الشيء الذي جعل كتب التراث العربي تفرض حضورها البهي إلى الآن؟
إنها المادة الثرية التي حوتها وجعلت كل من ينظر إليها مبهوتاً! لذا ينبغي على المبدع أن يهتم بإبداعه والباحث يخدم بحثه حتى يسهموا في بقاء آثارهم لهذا الجيل والأجيال القادمة.
ويرى العباس أنه يمكن للكتاب الجيد أن يجيد مكانه الطبيعي إذا تحرك ضمن بنية حرة تتنافس ضمنها الأفكار والمنتجات دون قمع ولا رقابة. ويواصل شرح رؤيته: إذا اشترك المثقفون في مطالعة ما ينتجون فيما بينهم، لكي لا نقول الترويج لمنتجات بعضهم البعض، وإذا ظهر في الأفق ناشر معني بالفعل بالنشر والتنوير وإنماء الفعل الثقافي، وإذا كفت المؤسسة عن لعب دور المروّج للفاسد من المنتجات وتيئيس منتجيها. يفترض في المثقف والقارئ المجتهد على حد سواء أن يقرأ الشعر والرواية والفكر والنقد، وأن يتعرف على ما ينتجه ناسه من جماليات وأفكار ليستشعر بالفعل حقيقة وجوده، وتتأكد لديه القناعة بوجود ذوات بمقدورها التعبير عن آلامه ومطامحه، وهذا الهاجس يتوفر ولو بشكل بسيط في المنتج المحلي، ويفترض أن يأخذ حقه نشراً وجدالاً وترويجاً. أظننا بحاجة إلى تعديل هذا الميزان المختل، فمن يراقب المشهد خلال الفترة الماضية، يجد أن مراهقات ومراهقين باتوا ضيوفاً دائمين على القنوات الفضائية، والصحف، عبر لقاءات واحتفالات فيما تم تهميش منتجي الفكر، بقصدية أحياناً، وبجهل أحياناً أخرى، ولكن ليس بحسن نية.
وبينما يرى التعزي أنه يمكن أن تقوم المكتبات الكبرى بوضع لوحات دعائية للكتاب إذا أدركت احتياجات المستهلك، تستدل أميمة على ما تسميه مؤشرا على ذكاء ونجاح الحملات الترويجية بالطوابير التي رأيناها تنتظر كتاب (هاري بوتر) مع الفجر عند المكتبات، وتذكر أن دور النشر الكبرى في العالم تخصص لكل كتاب من إصداراتها خطة ترويجية محكمة، وذلك قبل صدوره بعدة أشهر، عبر جميع الوسائل الإعلامية.
ولا يعتقد العباس أن المسألة يمكن اختصارها في اللوحات الدعائية فهذا الأمر موجود بالفعل، كما يقول قبل أن يضيف: العملية الترويجية، صارت تتم الآن باستئجار عقول ذات سمعة ورمزية، إذ يكفي أن يتحدث أحدهم عن كتاب حتى تتخاطفه الأيدي، ومنافذ البيع الإلكترونية تضع في واجهاتها ما هو أخطر من اللوحات الإعلانية، حيث الادعاء بنفاد الطبعات المتلاحقة، وتصدر قائمة المبيعات، وإجراء الحوارات الصحفية المدفوعة، إلى آخر جهنميات المكر الترويجي.
خدمات ما بعد البيع
أما عن حرمان الكتاب الإبداعي والعلمي من الترويج محليا، فترى أميمة أنه يتدخل في هذا الأمر عدة عوامل قد يكون منها نخبويتها وعمق مادتها، عدم ملامستها للهم اليومي للقارئ، ترفعها عن الغرائزي والسطحي و(هي مادة تسويقية مهمة).
وتعتقد أميمة أن مهمة الترويج لهذا النوع من الكتب الجادة لابد أن تتم عبر عدد من مؤسسات المجتمع التربوية والثقافية، كي تضمن له الجماهيرية المعقولة. ويقول العباس المعروف عنه كتاباته النقدية التي يصفها البعض بالحادة :الجميع متورط في هذا التهميش، الكاتب العاجز عن طرح الفكرة النوعية المغايرة، الناشر الأفاق المحب للمال ومدعي التنوير، القارئ الساذج المهووس بفكرة الامتلاك والاستهلاك، الإعلام المنذور لملء الشاشات والصحف بأي مادة وهكذا.
ويتوقف العباس عند ما يسميه دعايات لنمط من الكتابات والكتاب، قائلا: الناشر صار يتقن مهمة و"خدمات ما بعد البيع" وفي ظل وجود ذوات مهووسة بالشهرة على حساب الثقافة والإبداع، يمكن تخيل نوعية الكتب التي يمكن تعليقها في الواجهات، ويمكن تخيل أي صنف من الكائنات هذا الذي يتغذى على العلف، لدرجة أن معرض الكتاب الدولي في الرياض تحول إلى سوق حقيقي، أو مزاد للمغرمين بالظهور الإعلامي، وللأسف تم تعميم هذه المواصفات السعودية على معارض عربية وخليجية كانت مثالاً يحتذى به.
بينما تسترجع أروى موقفا يشير إلى خلل لأن مفهوم الثقافة لدينا مقصور على الكتب الأدبية حسب رأيها قائلة: وقد صدمني ذلك حين كنت منضمة للأيام الثقافية السعودية في إحدى السنوات..كان مفهوم "الثقافة" مقصور على الشعراء وكتاب الرواية والقصة فقط..لست أدري أين هو مكان الكتاب الذين يكتبون الكتب العلمية والإبداعية والتي تتناول قضايا مختلفة.
ويتطرق الزهراني كاسم ينتمي لأحدث جيل من الكتاب في السعودية للوسائل الحديثة في الترويج للكتاب ذاكرا أنه إذا نظرنا إلى مظان الدعاية والإعلان للكتاب فسوف نلاحظ على سبيل المثال أن الإنترنت تلعب فيه الدعاية دوراً كبيراً جداً وخاصة المواقع والمنتديات المهتمة بالشأن الثقافي ثم تبدأ الدعاية في التلاشي إذا انتقلنا إلى الصحف والمجلات - خاصة أننا نفتقر إلى مجلات مختصة بالكتب والإصدارات الحديثة - ثم تكاد تنعدم في القنوات الفضائية!بحسب قول الزهراني، الذي لن ينهي قوله الجدل والحوار في هذه المسألة، مادامت سوق الكتاب المحلية تفتقر إلى أرقام معلنة بنزاهة، وشركات توزيع تحفظ حقوق المؤلف، وتغيير جذري شامل في طريقة التعامل مع ترويج الكتاب.
--------------------------------------------------------------------------------
الكاتب المحلي بين اللوم وتبرئة ساحته
لا يتردد الكاتب صلاح القرشي في إلقاء اللوم على الكتاب والمبدعين، متهما إياهم بنقص ثقافة الترويج عندهم، ويوضح أكثر: هناك من يعتقد أن عملية ترويج الكتاب والإعلان والدعاية له تحوله إلى منتج استهلاكي مثله مثل الشامبو والصابون, وهذه نظرة تجاوزها العالم المتقدم فالملاحظ أن كبار الكتاب كماركيز وكونديرا وسارماغو يقومون بعمليات منظمة للترويج لكتبهم وتقوم دور النشر الخاصة بهم بحملات مدفوعة الثمن للترويج لإصداراتهم رغم شهرتهم الكبيرة.في مجتمعنا الذي يتنفس الحملات الدعائية والإعلانية على شاشات الفضائيات وعلى الطرق السريعة وفي الصحف والمجلات بل وحتى على فواتير الكهرباء والتلفون ينقصه أن يرى جزءا من هذا الزخم الترويجي يوجه نحو الثقافة ونحو الكتب الجديدة وهذا للأسف لا تقوم به دور النشر لأنها غالبا إما دور نشر عربية لا يهمها سوى قبض الثمن من الكاتب أو بيع المنتج في معارض الكتب ودور نشر محلية لا تزال بعيدة كثيرا عن أفكار التوزيع والترويج الحديثة.
وتؤكد أميمة الخميس ما ذهب إليه القرشي لافتة إلى نقطة مهمة: الكتاب سلعة، ولابد أن يسوق، البعض من الكتاب الذي تعجزه الحيلة في ترويج كتابه، قد يتوسل ثالوث المحرمات في العالم العربي، ويوظفه بكثافة في مؤلفه، كنوع من الترويج الموارب لاستقطاب الفضول الغرائزي، لاسيما إذا كانت المؤلفة امرأة.
وتحاول أروى خميس تبرئة ساحة الكاتب واصفة إياه بالمسكين فتقول:
والفكرة من الدعاية والإعلان هي الترويج لعملية القراءة وأهمية الكتاب في البداية. والأفكار لا تعد ولا تحصى لمثل هذا الترويج.. ويكون الكتاب هو المادة المستهدفة. وذلك يقع على عاتق المؤسسات ودور النشر والمكتبات فهم يأخذون نسبة عالية من الكاتب المسكين ولا بد أن يكون مقابل ذلك دعاية لكتابه.
وتقترح أروى المسابقات والجوائز ذاكرة أنها تفتح مجالاً وباباً لنشر أسماء الكتب. كما أن نقد الكتب والإشادة بها في عامود ثابت في صحيفة (مستعدة لفعل ذلك، وصدور مجلات متخصصة تعنى بكل ما يخص الكتب والقراءة وإنشاء نوادي القراءة فكرة قوية لترويج القراءة والكتاب على مستوى شعبي، وكذا إظهار الكتاب في الإعلام وربطه بإعلاميين بارزين.
--------------------------------------------------------------------------------